حديث الجمعةشهر رجب

حديث الجمعة رقم 294 : خديجة بنت خويلد المجاهدة الأولى في الإسلام – في ذكرى ميلاد سيِّد الأوصياء – في ذكرى رحيل الإمام الخميني – من هم صنَّاع الطائفيَّة في أوطاننا؟


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلوات على سيد الأنبياء والمرسلين محمد وآله الهداة الميامين…


نتناول بعض عناوين…


خديجة بنت خويلد المجاهدة الأولى في الإسلام:
ثالثة النساء الفضليات (خديجة بنت خويلد) زوج النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله, وأفضل نسائه, حسب ما جاء على لسان النبي صلى الله عليه وآله نفسِهِ, فحينما فقدها صلَّى الله عليه وآله حزن عليها حزنًا شديدًا, وكان يذكرها دائمًا, ويكثر من الثناء عليها ممَّا أثار الغيرة لدى إحدى زوجاته فقالت له: لقد أبدلك الله خيرًا منها…
فقال صلَّى الله عليه وآله: «لا واللهِ ما أبدلني الله خيرًا منها, آمنت بي إذ كفر الناسُ, وصدقتني إذ كذَّبني الناسُ, وواستني بمالها إذ حرمني الناسُ، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من الناس».
هنا يؤكِّد النبي الأكرم صلَّى الله عليه وآله أنَّ خديجة هي خير زوجاته وأفضلهن, وأحبَّهنَّ إلى قلبه, وذلك لما لها من خصائص:
(1) كانت السَّابقة إلى الإسلام… بُعث النبي صلَّى الله عليه وآله يوم الاثنين في السابع والعشرين من رجب, والتحق به (علي وخديجة) في يوم الثلاثاء, وأعلنا إيمانهما بنبوَّته, وتحمَّلا معه أعباء الدعوة, وصلَّيا معه في فناء الكعبة جهرًا ولم يكن معه أحدٌ سواهما…


(2) بذلت جميع أموالها في سبيل الإسلام, كانت خديجة من أثرى أثرياء قريش, وقد وظَّفت كلَّ ما تملك من ثروة في خدمة الرسالة التي انطلق بها زوجُها النبيّ الأكرم محمدٌ صلَّى الله عليه وآله حتى وصل بها الحال إلى أن تنام مع النبيّ صلَّى الله عليه وآله على فراشٍ من خوصٍ, ووسادة من ليف…


(3) وقد أكرمها الله تعالى, فكانت دون سواها من زوجاتِ النبيّ صلَّى الله عليه وآله, المحضن للذريَّة الطاهرة, فمنها دون غيرها من النساء رزق النبيّ صلَّى الله عليه وآله الولد, ويكفيها فخرًا وشرفًا وعظمة أنَّها أنجبت سيدة نساء العالمين الصدِّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام…
كم هي مظلومة هذة المرأة, فلم تحظ في كتب السيرة وفي مدوَّنات التاريخ بما حظيت به غيرها من زوجات النبيّ صلَّى الله عليه وآله, ولا نريد أن ننتقص من قيمة واحدة من زوجات النبيّ صلَّى الله عليه وآله, ولا نسمح بأن يُساء إليهنَّ جميعًا, إلَّا أنَّه ليس من الإنصاف أن يتم التجاوز عن المرأة التي صرَّح النبيُّ صلَّى الله عليه وآله بأنَّها خير نسائه, والتي شاركت الرسول صلَّى الله عليه وآله كلَّ هموم ومشاق الدعوة, وواجهت كلَّ تحديات نساء قريش بثباتٍ وصمود, وواست النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وخفَّفت آلامه وأتعابة, وأعطت كلَّ وجودها دفاعًا عن الإسلام, وكانت مثلًا ونموذجًا للزوجة الصالحة…
أنْ يتم تجاوز هذه المرأة في كتابات المسلمين, وفي إعلام المسلمين، وفي روايات المسلمين، وفي مناهج المسلمين…
وأنْ تزوَّر أحاديث ليس فيها إنصافٌ لهذه المرأة…
ولا نريد هنا أنْ ندخلَ في جدليِّة المفاضلات, ويكفي أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله جعل السَّيدة خديجة واحدة من أربع نساء اصطفاهنَّ الله على نساء العالمين…


إلَّا أنَّ (التقويم غير المنصف) يشكِّل خطرًا كبيرًا على وعي الأجيال, فأجيالٌ يتأسَّسُ وعيُها, وتُبنى ثقافتها على رؤى مغلوطة لأحداث التاريخ, ولشخوص الرسالة, أجيالٌ فاقدة للأصالة, مهزوزة الانتماء, ضائعة الهوية, وهكذا نفهم كم هي جناية مَنْ يُحرِّف الحقائق, ويشوِّه الرؤى, ويعبث بأفكار الجماهير, وهذا واضح فيما يمارسة إعلامُ الأنظمة الحاكمة, وفيما تمارسه الأقلام الموظَّفة لدى السلطات, وفيما تمارسُ منابرُ دينٍ تشرعن لسياساتِ الحكم, بكلِّ ما تحمل من ظلم وجور وفساد واعتداء على الحقوق والكرامات والحريات…


في ذكرى ميلاد سيِّد الأوصياء:
كانت ولادتُة بمكَّة, في الكعبة المشرَّفة, يوم الجمعة الثالث عشر من شهر رجب سنة ثلاثين من عام الفيل.
قال الحاكم النيسابوري [وصفه الذهبي بالحافظ الكبير وإمام المحدِّثين] في كتابه المستدرك على الصحيحين:
«تواترتْ الأخبار أنَّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب كرَّم الله وجهه في جوف الكعبة» انتهى كلام الحاكم…
 فعليٌّ أمير المؤمنين ولد في أقدس بيوت الله…
واستشهد في محراب بيتٍ من أعاظم بيوت الله…
وعاش كلَّ حياته دفاعًا عن بيوت الله…
وبيوت الله تحمل كلمة الله, ورسالة الله, وقيم الله, ودين الله…
وبيوت الله محاريب عبادة, ومدارس علم وفكر وثقافة, ومراكز توجيه وتربية وبناء, ومنطلق دعوة وجهاد, ومواقع قيادة…
فعليٌّ في كلِّ تاريخ حياته, إنسانُ الله, عاش لله, وذاب في الله, وجاهد من أجل رسالة الله, وقيم الله, ودين الله…
وعليٌّ في كلِّ تاريخه, إنسانُ محراب, وإمامُ علم وفكر, ورجلُ هدايةٍ, وداعيةُ رشادٍ, وبطلُ جهادٍ, وموقعُ قيادةٍ…
كم حاولت أنظمةُ الجورِ عبر التاريخ, وكم حاولت قُوى الظلام والظلال أنْ تدفن اسم هذا الرجل, مستخدمة كلَّ الأدوات الماكرة والخبيثة, ومعتمدة كلَّ وسائل الكذب والتزوير والعبث بحقائق التاريخ, ولكنَّها باءت بكلِّ الخيبة والفشل, وبقي عليٌّ طودًا شامخًا, وهامةً عاليةً, ووجودًا عملاقًا…
(سبعون ألف منبر) من منابر المسلمين تصدع بسبِّ وشتم ولعن عليّ بن أبي طالب… هكذا وظَّف نظامُ الحكم منابر الدين لتنال من رجلٍ هو عنوان الدِّين, وعنوان الإيمان, وعنوان الحقِّ, وعنوان القرآن, كما أكَّدت ذلك الآيات, والروايات المتواترة والمشهورة…
أين مَنْ وظَّف هذه المنابر ضدَّ عليّ ابن أبي طالب؟
هذا ضريحُك- الخطاب إلى معاوية –
هذا ضريحك لو بصرت ببؤسه
                                    لأسال مدمعك المصيرُ الأسودُ
كتلٌ من الترب المهين بخربةٍ
                                    سكر الذبابُ بها فراح يعربدُ
– إلى أن يقول –
قم وارمق النجفَ الشريفَ بنظرةٍ
                                     يرتد طرفك وهو بالكٍ أرمدُ
تلك العظامُ أعزَّ ربُّكَ شأنها
                                   فتكاد لولا خوفُ ربِّك تعبدُ
هكذا يبقى الأولياء الصالحون عناوين عزِّ وفخار، وهكذا تكون نهايات الطغاة والمتجبِّرين والمفسدين في الأرض…


في ذكرى رحيل الإمام الخميني رضوان الله عليه:
   تمرّ هذه الأيام الذكرى السنوية الثالثة والعشرون لرحيل مفجِّر الثورة الإسلاميَّة في إيران الإمام روح الله الخميني رضوان الله عليه… الثورة التي غيَّرت كلَّ المعادلات السِّياسية في العالم, وأسقطت كلَّ الرهانات الاستكبارية التي ظلَّت جاثمة طيلة تاريخ طويل, فقد راهنت قوى الاستكبار ومعها كلّ الأنظمة المأسورة للاستكبار أنَّ الأسلامَ لا يمكن أن يكون له حضور سياسي في هذا العصر…
وأنَّ فقه الدين لا يمكن أن يكون فقه دولة في هذا الزمان، وأنَّ الفقهاء غير صالحين أن يكونوا رجال حكمٍ ودولة مدنيَّة عصريَّة…
جاء نجاح الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام روح الله الخميني ليبرهن على فشل تلك الرهانات…
فأعطى للإسلام حضورًا سياسيًا كبيرًا في عصرٍ هيمنت فيه سياسات الأنظمة الاستكبارية, وفرضت وجودها على كلِّ مفاصل العالم السِّياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية…
وأعطى للدين حضورًا ثوريًا, استطاع أن يسقط نظامًا استبداديًا من أعتى أنظمة هذا العصر, وفجَّر إرادة شعبٍ مقهورٍ عانى كلَّ أشكال الظلم والاستبداد, وفتح الطريق أمام كلِّ الشعوب المقهورة المظلومة, لتتمرَّد على سياسات القهر والإذلال…
واستطاع أن يؤسِّس دولةً تحترم كرامة الإنسان, وتستجيب لكلِّ حقوق الشعب, بلا قمعٍ, ولا بطشٍ, ولا إرهاب…
كيف لا وهو العالم الربَّاني الذي عاش الذوبان والانصهار في الله…
وهو الذي عاش كلَّ الإخلاص لله…
وهو الذي جسَّد كلَّ الطاعة لله…
وهو الذي امتلأ إرادةً وصمودًا وشموخًا من أجل الله…
وهو الذي جاهد وأعطى وضحَّى في سبيل الله…
فما أحوجنا ونحن نحيي ذكرى رحيل السَّيد الإمام الخميني
أن نتمثَّل شيئًا من فكر الإمام الخميني…
أن نتمثَّل شيئًا من روحانيَّته ومن عبادته…
أن نتمثَّل شيئًا من أخلاقه وفضائله…
أن نتمثَّل شيئًا من تقواه وورعه…
أن نتمثَّل شيئًا من صموده, وثباته, وشموخه, وعنفوانه…
أن نتمثَّل شيئًا من جهاده وعطائه وتضحياته…
وأختم هذه الكلمات القليلة جدًا في حقِّ الإمام الخميني بمقطعٍ من كلماته…
يقول الإمام الخميني رضوان الله عليه:
(شهدتُ قبل أيامٍ مجلس عقد زواج في طهران, وبعد انتهاء المجلس سلَّمتني العروس ورقة, قرأتها فوجدت أنَّ العروسَ تطلب منِّي أن أدعو لها بالفوز بالشهادة, عروسٌ دخلت لتوِّها بيت الزوجية تنشد الشهادة؟ أهؤلاء يخافونَ التدخل العسكري؟ أهؤلاء يهابون المحاصرة الاقتصادية؟)
هكذا يحاول السيد الإمام الخميني أن يوظِّف أيَّ موقفٍ في تعبئة الأمَّة, وصنع وعيها, وإنتاج إرادتها, وصمودها, وعنفوانها…
رحمك الله أيّها الإمام العظيم…


من هم صنَّاع الطائفيَّة في أوطاننا؟  
   ليس من الطائفية الانتماء إلى طائفة, فلكلٍّ أن يشكِّل انتماءه وفق قناعاته, إلَّا أنَّ الانتماءَ حينما يتحوَّل إلى عصبيَّةٍ, وحقدٍ, وعداوةٍ, وإلغاءٍ, وانتقام فهنا يكون الأمر طائفيَّة بغيضة مدمِّرة…
الطائفية خطرٌ مرعبٌ, إذا اشتعلت نارُها أحرقت كلَّ شيئٍ على الأرضِ, ولم تبقِ أخضرَ ولا يابسًا, ولم توفِّر أمنًا ولا أمانًا, ولم تحفظ أرواحًا, ولا أموالًا, ولا أعراضًا…
فالحذرَ الحذرَ من إنتاج الفتنِ الطائفيَّةِ العمياء، ومن إذكاءِ نارها, ومن تأجيج أوارِها، ومن اللعب بشررها, فإنَّها تحرقُ أولَ ما تحرقُ مَنْ أوقدها…


مَنْ هم صُنَّاع الطائفيَّة في أوطاننا؟
يتحمَّل مسؤولية إنتاج الطائفية في أوطاننا الإسلامية مجموعة جهات:

الجهة الأولى: القوة الكافرةُ المعاديةُ لمصالح هذه الأوطان, والطامعة في استثمار خيراتها, والسيطرة على ثرواتها, وعلى شعوبها, وعلى كلِّ أوضاعها السِّياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية, فمن مصلحة هذه القوى أن تبقى أوطاننا ضعيفةً, مسلوبةَ الإرادة, ممزَّقة القوى, وهكذا يعتمدون تغذية الطائفية وسيلةً من وسائلهم في الهيمنة والسيطرة وفرضِ النفوذ.


الجهة الثانية: أنظمة الحكم التي تمارسُ الظلمَ والاستبدادَ, ومصادرة حريات الشعوب, فمن صالح هذه الأنظمة أن تتصارع الطوائف والمكوِّنات والأحزاب والمجموعات, ليوفِّر ذلك مناخاتِ السيطرة, وليشغل الجماهير بصراعاتِها عن محاسبة سياساتِ الأنظمة, فمتى ما توحَّدت إرادات الشعوب شكَّل ذلك خطرًا على أنظمة الاستبداد والظلم…


وهكذا تصرُّ هذه الأنظمة على إنتاج الصراعات الطائفية في داخلِ الأوطانِ مستخدمةً شتَّى الطرق والوسائل, ولعلَّ منها ممارسة سياسات التمييز المكشوفة أو المتسترة, أو القيام بأعمال تعبِّر بوضوحٍ عن (استهدافاتٍ طائفية), وكثيرًا ما تحرِّك هذه الأنظمة وسائل إعلامها من تلفازاتٍ وإذاعاتٍ, وصحافة, وأقلامٍ موظَّفةٍ لكي تمارس شحنًا طائفيًا مكشوفًا, وهذا ما يتنافى كلَّ التنافي مع رسالة هذه الوسائل في صنع المحبَّة والألفة, والوحدة بين مكوِّنات الشعوب, لا أنْ تغذِّى الصراعات والعداوات والخلافات خدمةً لمصالح الأنظمة الحاكمة المسكونة بنزعات طائفية مقيتة…
الجهة الثالثة: منابر دينية تمارسُ خطاباتٍ تغذِّي الطائفية والكراهية بين مكوِّنات الشعوب، استجابة لإملاءات الأنظمة الحاكمة, أو بدافع العصبيَّات المسكونة في النفوس, أو تعبيرًا عن جهالاتٍ وحماقاتٍ مسيطرة على العقول, وهكذا تتنكَّر هذه المنابر لأهداف الدِّين, وتتحوَّل مواقع للفتن الطائفية, والعداوات المذهبية, وعلى مرأى ومسمع من أنظمة الحكم التي لا تحرِّك ساكنًا، من أجل إيقاف اعتداءاتٍ سافرةٍ بين طوائف ومذاهب ومكوِّنات…


إنَّنا ندين كلَّ الخطابات الطائفية التي تمزِّق وحدة الشعوب، وتوقد نيران الأحقاد والعداوات, ونأسف كلَّ الأسف, رغم كلِّ مواقفنا الواضحة كلَّ الوضوح في التصدِّي لكلِّ المشروعات الطائفية، ورغم ما عانينا واكتوينا بنيرانها…
رغم ذلك يُتَّهم خطابنا بأنَّه خطابٌ طائفي, وهذا شاهدٌ واضح من شواهد الاستهداف, وهنا نؤكِّد بأنَّنا سوف نبقى أعداءً للطائفية, ولن نسقط في مستنقعاتها الآسنة مهما كلَّفنا ذلك من أثمان باهضة.


وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى