حديث الجمعةشهر جمادى الثانية

حديث الجمعة 324: مراحل القيادة في حياة الإمام المنتظر – لن يتعافى هذا الوطن

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربِّ العالمين، وأفضل الصَّلوات على سيِّد الأنبياء والمرسلين محمَّدٍ وعلى آله الهداة الميامين وبعد…


مراحل القيادة في حياة الإمام المنتظر عجل الله فرجه:


الإمام المهديّ عجَّل الله فرجه هو خاتمة الأئمة الاثني عشر من أهل البيت عليهم السَّلام، وقد أكَّدت ذلك الأحاديث الثابتة الصحيحة..
ففي الحديث عن النبيِّ الأكرم صلَّى الله عليه وآله أنَّه قال:
«إنَّ خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الاثنا عشر أوّلهم أخي وآخرهم ولدي…
قيل يا رسول الله ومَنْ أخوك؟
قال صلَّى الله عليه وآله: عليّ بن أبي طالب…
قيل: فَمنْ ولدك؟
قال صلَّى الله عليه وآله: المهديّ الذي يملأها قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، والذي بعثني بالحقِّ بشيرًا لو لم يبق من الدّنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلِّي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربِّها، ويبلغ سلطانُه المشرق والمغرب».


والممارسة القيادية للإمام المنتظر عجَّل الله فرجه تتجسَّد ضمن ثلاث مراحل:
مرحلة الغيبة الصغرى/ مرحلة الغيبة الكبرى/ مرحلة الظهور وقيام الدولة العالمية.


• مرحلة الغيبة الصغرى:
وذكرنا أنَّها بدأت سنة (255هـ) أو (260هـ) وانتهت سنة (328هـ) أو (329هـ)
وفي هذه المرحلة كان الإمام المهدي أرواحنا فداه يمارس دوره القيادي من خلال (نظام السفراء)، وتولَّى مهمة السفارة في هذه المرحلة أربعة سفراء تقدَّم ذكرهم…


أبرز المهام التي كان يتصدَّى لها هؤلاء السفراء:
(1)  تسلّم التوقيعات الصادرة من الإمام المهدي عليه السَّلام وإيصالها إلى أتباع مدرسة الأئمَّة من أهل البيت (ع)، وتتضمَّن هذه التوقيعات عادة:
1- الأحكام والفتاوى الصَّادرة عن الإمام عليه السَّلام.
2- الأوامر والتوجيهات.
3- التوثيقات وتعيين الوكلاء.
4- حل المشكلات التي تواجه هؤلاء المنتمين إلى مدرسة الأئمَّة (ع).
5- التصدِّي لكلِّ الأخطار التي تهدِّد الواقع الإسلامي العام.
 
(2)  المهمَّة المالية: وتتمثَّل هذه المهمة في قبض الأموال (الزكوات والأخماس وغيرها) وإيصالها إلى الإمام عليه السَّلام.
 
(3)  الإشراف العام على الواقع الشيعي المنتمي إلى مدرسة الأئمَّة من أهل البيت عليهم السَّلام.
ويتمثَّل هذا الإشراف العام في:
‌أ-  التوجيه الفكري والثقافي والروحي.
‌ب-  حماية الواقع الاجتماعي والسِّياسي.
‌ج-  التصدِّي لكلِّ الانحرافات الطارئة.
‌د- قضاء الحوائج وحل المشكلات وحسم الخلافات.
وانتهت مرحلة الغيبة الصغرى بموت السفير الرابع (علي بن محمد السمري) وانغلق دور السَّفارة والنيابة الخاصة.
جاء في آخر توقيع صدر من الإمام المهديّ عليه السَّلام إلى سفيره الرابع:
«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يا علي بن محمد السّمّري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميِّت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توصي إلى أحدٍ فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية [التامَّة] فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله عزَّ وجلّ، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورًا، وسيأتي شيعتي مَنْ يدَّعي المشاهدة، ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذبٌ مفتر، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العليِّ العظيم».


ويتَّجه أكثر العلماء إلى تفسير معنى (المشاهدة) في هذا التوقيع الشريف بـ (ادعاء السفارة عن الإمام المهدي عليه السَّلام)..
فدعاوى السفارة في عصر الغيبة الكبرى دعاوى كاذبة وهذا من المسلَّمات في مدرسة الأئمَّة من أهل البيت عليهم السَّلام وهذا ما يؤكِّده هذا التوقيع من خلال قول الإمام عليه السَّلام:
• «ولا توص إلى أحدٍ يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامَّة».
ومن خلال قوله عليه السَّلام:
• «ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذبٌ مفتر».
وقد أكَّد أعلام الطائفة من معاصري الغَيبة الصغرى أو القريبين منها على هذا الأمر.


جاء في كتاب الغَيبة لشيخ الطائفة الطوسي قوله:
«عندنا أنَّ كلّ من ادَّعى الأمر بعد السمري فهو كافر منمِّس، ضالٌّ مضلٌّ».
– منمِّس: محتال
وعبر التاريخ الشيعي ظهر كذَّابون ادعوا النيابة والسفارة عن الإمام المهدي عليه السَّلام وقد تصدَّى لهم الفقهاء والعلماء وأبطلوا دعاواهم، وحصَّنوا أتباع أهل البيت عليهم السَّلام من ضلالاتهم وخدعهم، وإنْ كان قد سقط في حبالهم بعضُ السذَّج والبسطاء وبعض أصحاب المصالح، إلَّا أنَّ السَّاحة الشيعية بشكلٍ عام بقيت محصَّنة في مواجهة هذه الدعاوى الزائفة…
وهنا نؤكِّد على ضرورة تحريك الثقافة الواعية فيما هي قضية الإمام المهدي المنتظر عجَّل الله فرجه، وفيما هو مفهوم الانتظار في عصر الغَيبة، وما هي مسؤوليات هذا العصر…


ويجب تحذير الأجيال الشيعية من أيِّ فكرةٍ ترتبط بمسألة الإمام المهدي… ما لم تكن واضحة الانتماء ومقبولة من فقهاء وعلماء الطائفة المعروفين والمعتمدين، خشية أنْ تندَّس رؤى وأفكار مشبوهة، تتربقع باسم الإمام المهدي عجَّل الله فرجه، وربَّما يكون حملتها والدعاة إليها متمظهرين بمظهر الزهد والعرفان والعبادة لكي يخدعوا النَّاس، وكثيرًا ما يعتمدون المنامات الكاذبة، ومزاعم التشرف برؤيا الإمام عجَّل الله فرجه، لكي يخدعوا العوام والسدَّج والبسطاء، ولكي يمرّروا أهدافهم المشبوهة، وقد ثبت أنَّ وراء تلك الأفكار قوى معادية للإسلام الأصيل ومعادية لخطِّ أهل البيت عليهم السَّلام، وقد ثبت أنَّ تلك الدعاوى انتهى بها المطاف إلى الانحراف السافر عن الدِّين وعن خطِّ أهل البيت عليهم السَّلام…


تعرفون أنَّ مؤسس البابية علي الشيرازي ادَّعى في البداية أنَّه باب الإمام المهدي عليه السَّلام، ولمَّا رأى كثرة المخدوعين حوله ادَّعى أنَّه المهديّ ثمَّ ارتقى فادَّعى النبوة، واشتدَّ به النزق والطيش فادَّعى الألوهية…
هكذا تكون نهاية هذه الدعاوى التي تؤسَّس على الكذب والخداع، والتضليل، هكذا تتعرَّى وتنكشف مهما حاولت أن تتستر وتتوارى خلف مظاهر خادعة ومضلِّلة…


في حديثنا القادم – إن شاء الله – نتناول دور الفقهاء في النيابة العامة عن الإمام المهديّ عليه السَّلام في عصر الغَيبة الكبرى، وما هي الأدلة الشرعية على هذه النيابة، وما هي مسؤولية أتباع مدرسة أهل البيت في التعاطي مع هذه القيادة النائبة عن الإمام المهدي عجَّل الله فرجه…


 


لن يتعافى هذا الوطن:


أوَّلًا: لن يتعافى هذا الوطن ما دام الخيار الأمني هو سيِّد الموقف، ما دام الرصاص يحصد الأرواح، ما دامت الغازات تسمِّم الأجواء، ما دامت السجون تزدحم بأبناء هذا الشعب، ما دام الجناة يفلتون من العقاب، ما دام الأبرياء يعاقبون…
واهمون إنْ ظنّوا أنَّ القتل، والبطش، والفتك، والعنف، والقمع هو الطريق لخلاص هذا الوطن.


ومهما قسا هذا الخيار لن يزداد وضع هذا البلد إلَّا سوءًا، وبؤسًا، وتأزّمًا، واحتقانًا، هكذا يقول العقل، وتقول الحكمة، وتقول شرائع السَّماء، وتقول قوانين الأرض…


إنَّ الرِّهان على خيار الأمن رهانٌ فاشل، ورهانٌ مدمِّر، ورهانٌ خاسر…
فلا تدفعوا بهذا الوطن إلى المزيد من الدَّمار، وإلى المزيد من الدماء، وإلى المزيد من التأزّم…


ثانيًا: لن يتعافى هذا الوطن ما دام الحوار الجاد الحقيقي غائبًا…
انطلق حوارٌ ولكنَّه كان كسيحًا…
واستمر مشلولًا…
وانتهى ميِّتًا…
مَنْ المسؤول عن هذا الوضع البئيس للحوار…
السُّلطة تتَّهم المعارضة…


وماذا تقول المعارضة؟
إنَّها تطالب بالحوار وتصرُّ على نجاح الحوار…
إلَّا أنَّها تريد أن تحاور النظام ممثَّلًا في موقعه الأول، وما أجمل أنْ يفتح هذا الموقع عقله وقلبه ليتحاور مع شعبه، إنَّها سمة حضارية وراقية أنْ يكون الحوار بين الحاكم وشعبه… إنَّها الديمقراطية المتقدِّمة أنْ يصغي صاحب القرار الأول إلى كلِّ هموم وآلام وأوجاع أبنائه، وشعبه ومواطنيه… وكلَّما ضاقت المسافة بين رأس الدولة والشعب كان ذلك أدعى لخلق الثقة والمحبَّة والاطمئنان، وكلَّما تباعدت المسافة اهتزت الثقة والمحبَّة والاطمئنان…
وما أروع ما جاء في عهد الإمام أمير المؤمنين عليه السَّلام إلى مالك الأشتر النخعي حينما ولَّاه على مصر، وهذا العهد يشكِّل وثيقة حقوقية سياسيَّة راقية جدًا تنظِّم العلاقة بين الحاكم والمحكوم…


وممَّا جاء في هذه الوثيقة قول الإمام عليّ عليه السَّلام مخاطبًا مالكًا النخعي:
«وأمَّا بعد هذا، فلا تُطَوِّلَنَّ احتجابك عن رعيَّتِكَ، فإنَّ احتجَابَ الوُلاةِ عن الرَّعيَّة شعبةٌ من الضِّيق، وقِلَّةُ عِلْمٍ بالأمور، والاحتجابُ عنهم يقطعُ عنهم عِلْمَ ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويَعظُمُ الصغير، ويَقُبحُ الحسَنُ، ويَحسُنُ القبيحُ، ويشابُ الحقُّ بالباطلِ، وإنَّما الوالي بَشَرٌ لا يعرفُ ما توارى عنه النَّاس به من الأمور…
(إلى أن قال): مع أنَّ أكثرَ حاجاتِ النَّاس ما لا مؤونة فيه عليك من شكاة  مظلَمةٍ، أو طلب إنصافٍ في معاملة»… انتهى ما أردنا الاستشهاد به من كلام أمير المؤمنين عليه السَّلام…


فهو يؤكِّد أنَّ الوالي والحاكم يجب أن ينفتح مباشرة على هموم الرعية، هذه الهموم التي تعبِّر عن أحد الأمرين:
الأمر الأول: إيصال الشكاوى والمظالم إلى الحاكم…


الأمر الثاني: المطالبة بالعدل والإنصاف وتوفي الحقوق المشروعة…
أخلص إلى القول: أنَّ إصرار المعارضة في هذا البلد على وجود ممثِّل للحكم في الحوار أمرٌ في غاية المنطقية والموضوعية، إنَّها الرغبة الصادقة في التعاطي مع الموقع الأول في هذا الوطن، وكم هو كبير ومؤثِّر جدًا لو يكون اللقاء مباشرًا بين عاهل البلاد وبين قوى المعارضة لاختصار الطريق، فما أكثر ما كانت الوسائط سببًا في تشويش المطالب، وفي إرباك الأمور…


وإذا لم يتوفَّر هذا اللقاء المباشر، فلا أقل من وجود ممثِّل للعاهل البلاد في هذا الحوار، من أجل أن يتحرَّك الحوار في الاتجاه الصحيح، فالمعارضة حينما تصرُّ على هذا المطلب ليس بهدف إرباك وتعطيل الحوار، الذين يرفضون هذه الرغبة المشروعة جدًا هم الذين يريدون للحوار أن يتعثَّر، أن يتعطَّل، أن يفشل… فما لم يأخذ هذا الحوار مساره الصحيح، فسوف يفقد قيمته ولن يكون إلَّا مضيعة للوقت…


ثمَّ كم هي المفارقة كبيرة في الحوار الدائر، أن تكون المؤسَّسة الدستورية طرفًا في الحوار، ثمَّ تكون هي المرجعية النهائية لحسم الرأي حول مخرجات الحوار…


وهذا ما دعا المعارضة إلى أنْ تصرّ على اللجوء إلى الشعب باعتباره مصدر السلطات… وهذا مطلب منطقي، ويعبِّر عن روح ديمقراطية صادقة…


وغير ذلك يمثِّل عبثًا بالعناوين، واستهلاكًا للجهود، وإضاعة للأوقات وتكريسًا للأوضاع الخاطئة، وإطالة لعمر الأزمة، وزيادة في حجم الخسائر، والضحية هو هذا الوطن، في أمنه، وفي استقراره، في ازدهاره، وفي وحدة شعبه.


وممَّا يؤسف له أنَّ هناك لغةً موبوءةً في الإعلام والصحافة، تؤزِّم الأمور، تحرِّض، تخوِّن، تدفع في اتجاه التعقيد، ما دامت هذه اللغة تتحرَّك فلن يتعافى هذا الوطن…


وآخر دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى