حديث الجمعة 670: الولادة الرُّوحيَّة (6) – مَنْ المسؤول عن مواجهة الفساد الأخلاقي في الأوطان؟ – كلمة شكر وثناء على خطوة الإفراجات الأخيرة – في ذكرى رحيل العلَّامة الجمري
مسجد الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) – القفول حديث الجمعة (670) التَّاريخ: يوم الخميس (ليلة الجمعة) 27 جمادى الآخرة 1447هـ - الموافق: 18 ديسمبر 2025 م
عناوين الحديث:
العنوان الأوَّل: الولادة الرُّوحيَّة (6)
العنوان الثَّاني: كلمة أخيرة
- مَنْ المسؤول عن مواجهة الفساد الأخلاقي في الأوطان؟
- كلمة شكر وثناء على خطوة الإفراجات الأخيرة
- في ذكرى رحيل العلَّامة الجمري
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلين مُحمَّدٍ وآلِهِ الهُداةِ الميامين.
السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
العنوان الأوَّل: الولادة الرُّوحيَّة (6)
نتابع الكلام فيما ورد من روايات في قيمة الصَّلاة على النَّبيِّ وآلِهِ الأطهار (صلى الله عليه وآله وسلَّم).
وهذه الصَّلاة لها معطياتٌ عظمى، معطياتٌ عقائديَّة، وإيمانيَّة، ورُوحيَّة وسلوكيَّة.
وهكذا تواترت الرِّوايات والأحاديث الصَّحيحة والمعتبرة في قيمة الصَّلاة على الحبيب المصطفى وآلِهِ النُّجباء، ولعلنا لا نجد في عملٍ من الرِّوايات ما نجدُ في هذه الصَّلاة المباركة، ولعلَّنا لا نجد من الفيوضات الرَّبانيَّة ما نجد في هذه الصَّلاة.
فمحرومٌ كلَّ الحرمان، وشقيٌّ كلَّ الشَّقاء من لا يتوفَّق لهذه الصَّلاة المباركة، أو مَن يبترها بترًا.
فواظبوا أيُّها الأحبَّة عليها:
في أوقات الصَّلاة حيث يرتقي مستوى الثَّواب وفي كلِّ الأوقات، وفي كلِّ الحالات فما أيسره من عمل، وما أعظمه من أجر.
– وكلَّما صدقت النَّوايا.
– وكلَّما صدقت الأعمال.
كان العطاءُ الرَّبانيُّ أكبر.
ولا شكَّ أنَّ هذه الصَّلاة تعمِّق الولاء، وتعمِّق الالتزام.
ونتابع هنا:
ما ورد من روايات في فضل الصَّلاة على النَّبيِّ وآله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
النَّموذج الخامس
- روي عن الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) قوله:
«الصَّدَقَةُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ وَيَوْمَها بِأَلْفٍ، والصَّلَاةِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِأَلْفٍ مِنَ الحَسَنَاتِ، وَيَحُطُّ اللهُ فِيها أَلْفًا مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَيَرْفَعُ فيها أَلْفًا مِنَ الدَّرَجَاتِ، وإِنَّ المُصَلِّيَ عَلَى النَّبيِّ وَآلِهِ في لَيْلَةَ الجُمُعَةِ يَتلأْلَأُ نُورُهُ فِي السَّمَوَاتِ إِلَى أنْ تقُومَ السَّاعَةُ، وَإِنَّ مَلَائِكَةَ اللهِ فِي السَّمَوَاتِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِقَبْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ اَلسَّاعَةُ».([1])
روى هذا الحديث الشَّيخ المجلسي في بحار الأنوار.
ليلة الجمعة لها مجموعة خصوصيَّات، وكذلك، يوم الجمعة، نذكر من هذه الخصوصيَّات:
(1) يوم الجمعة سيِّد الأيَّام كما جاء في الرِّوايات.
(2) في يوم الجمعة تُضاعف الحسنات، وتُمحى السَّيِّئات، وتُرفَع الدَّرجات، وتُستَجاب الدَّعوات، وتُكشَف الكُربات، وتُقضى الحوائج العظام، هكذا ذكرت الرِّوايات.
(3) لله تعالى في يوم الجمعة عتقاء وطلقاء من النَّار، فلنسأل الله ونتضرَّع إليه أن يجعلنا جميعًا من عتقائه وطُلقائه من النَّار، فما دعا في هذا اليوم أحدٌ من النَّاس وعرف حقَّه وحرمته إلَّا كان حقًّا على الله أن يجعله من عتقائه وطُلقائه من النَّار.
وما استخفَّ أحدٌ بحرمتهِ وضيَّع حقَّه إلَّا كان حقًّا على الله أن يصليه نار جهنَّم إلَّا أن يتوب.
فتعظيم حرمة ليلة الجمعة، ويوم الجمعة بالطَّاعات واجتناب المنكرات، فالويل كلُّ الويل لمن جعل الجمعة عنوانًا للعبث والانحراف وارتكاب الموبقات.
(4) جاء في الرِّوايات أنَّ الخير والشَّر يضاعفان في يوم الجمعة
فثواب الصَّلاة مضاعف في يوم الجمعة
وثواب الدُّعاء، وتلاوة القرآن
وثواب الصَّدقات، وفعل الخيرات
وثواب التَّآلف والتَّقارب والتَّواصل
وثواب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر
وفي المقابل:
في يوم الجمعة يتضاعف العقاب
لمن تهاون بالصَّلاة، والدُّعاء، وتلاوة القرآن
ولِمن تهاون بفعل الخيرات
ولِمن ترك الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر
ولِمن عاش القطيعةَ والهجران
ولِمن فعل المنكرات والموبقات
هذا ما أكَّدته الرِّوايات
- ففي الحديث عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: «إِنَّ الخَيرَ وَالشَّرَّ يُضاعَفانِ يَومَ الجُمُعَةِ»، فينبغي للإنسان أن يستكثر من الخير فيه ويتجنَّب الشَّر.([2])
نعود إلى ذكرِ الصَّلاة على النَّبيِّ وآلِهِ في الجمعة ليلًا ونهارًا
فقد جاء في الحديث (النَّموذج الخامس)
والذي بدأنا به كلمة اللَّيلة أنَّ للصَّلاةِ على النَّبيِّ وآلِهِ في الجمعة عدَّة معطياتٍ كبرى:
(1) الصَّلاة على النَّبيِّ وآلِهِ في الجمعة بألفٍ من الحسنات.
وهل تعلمون ماذا تعني الحسنة الواحدة؟
- جاء في الحديث عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم):
«وَجَدْتُ الحَسَنةَ نُورًا في القَلبِ، وزَيْنًا في الوَجْهِ، وقُوَّةً في العَملِ، ووَجَدتُ الخَطيئةَ سَوادًا في القَلبِ، ووَهْنًا في العَملِ، وشَيْنًا في الوَجْهِ».([3])
- وعن الإمام زين العابدين (عليه السَّلام):
في قوله تعالى: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ…﴾([4])
«…، فَالحَسَنةُ الواحِدَةُ إذا عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، والسَّيِّئةُ الواحِدَةُ إذا عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ واحِدَةً، فنَعوذُ باللَّهِ مِمَّن يَرتَكِبُ في يَومٍ واحدٍ عَشرَ سَيّئاتٍ، ولا تَكونُ لَهُ حَسَنةٌ واحِدَةٌ، فَتغْلِبُ حَسَناتِهِ سَيّئاتُهُ».([5])
يعني لو كان له حسنةٌ واحدة وعشر سيِّئات لغلبت هذه الحسنة السَّيِّئات، فما أسوء العبد حينما لا يملك حتى هذه الحسنة في يومه أو في ليلته.
مطلوب منَّا أيُّها الأحبَّة أن نحزن إذا صدرت منا سيِّئة، وأن نفرح إذا صدرت منَّا حسنة.
- في الحديث عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «مَنْ ساءَتْهُ سَيِّئَتُهُ، وسَرَّتْهُ حَسنَتُهُ فهُو مؤمن».([6])
- وعن الإمام الباقر (عليه السَّلام) قال: سُئل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عن خيار العباد، فقال: «الَّذِينَ إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وإِذَا أَسَاؤُوا اسْتَغْفَرُوا».([7])
- وفي الكلمة عن الإمام الرِّضا (عليه السَّلام): «إنَّ المُؤمِنَ إذا أحسَنَ استَبشَرَ، وإذا أساءَ استَغفَرَ».([8])
إذًا أوَّل معطيات الصَّلاة على النَّبيِّ وآله أنَّ صلاة واحدة تعادل ألفًا من الحسنات خاصَّة في ليلة الجمعة أو في غير الجمعة، وإنْ كان لهذه الصَّلاة قيمتها العظمى في كلِّ الأوقات.
يستمرُّ بنا الحديث في ذكر معطيات هذه الصَّلاة إنْ شاء الله تعالى.
العنوان الثَّاني: كلمة أخيرة
- مَنْ المسؤول عن مواجهة الفساد الأخلاقي في الأوطان؟
هنا سؤال في غاية الخطورة
السُّؤال يقول:
في أوطاننا الإسلاميَّة ينتشر الفساد انتشارًا مرعبًا، فمن المسؤول عن هذا الانتشار؟
السُّؤال هنا عن الفساد الأخلاقي والاجتماعي.
أوطان المسلمين، ولا أخصُّ وطنًا معيَّنًا، هذه الأوطانُ مشحونة بالفساد الأخلاقي والاجتماعي، والُمصدَّرُ إلى أوطاننا من المغرب والمشرق.
طبعًا قوى الشَّر في الغرب والشَّرق تريد لأوطان المسلمين أنْ تفسُد، أنْ تفسُقَ، أنْ تنحرف، أنْ تضيع، أنْ تفقد هُويَّتها الإسلاميَّة، أنْ تتميَّع الأخلاق، أنْ تسرق القِيَم والمُثل، أنْ ينتشر الفجور، والعبث، والضَّلال.
المصدِّرون لمشاريع الفساد والدَّعارة إلى أوطاننا يراهنون على نجاح هذه المشاريع ما داموا يملكون مروِّجين لها في هذه الأوطان.
مَنْ المسؤول عن التَّصدِّي لهذه المشاريع المدمِّرة لهُويَّة الأوطان؟
ما هي هُويَّة الأوطان؟
أليسَ دساتيرُ هذه الأوطان تؤكِّد أنَّ الهُويَّة هو الانتماء إلى الإسلام؟
وماذا يعني هذا الانتماء؟
لا أتحدَّث هنا عن دولة دينيَّة.
أتحدَّث عن هُويَّة الانتماء كما تؤكِّدها الدَّساتير.
أتحدَّث عن أعراف تحفظ مُثُلَ الدِّين
أتحدَّث عن قِيَم نظيفة
أتحدَّث عن مبادئ شريفة
أتحدَّث عن أخلاق فاضلة
أتحدَّث عن العفاف والسِّتر
أتحدَّث عن التَّآلف والتَّقارب
أتحدَّث عن التَّعاون والتَّآزر
مَنْ المسؤول عن إنتاج هذه المعطيات في أوطاننا الإسلاميَّة؟
لا شكَّ أنَّها مسؤوليَّة أنظمة
ولا شكَّ أنَّها مسؤوليَّة شعوب
ولا شكَّ أنَّها مسؤوليَّة مواقع دينيَّة
ولا شكَّ أنَّها مسؤوليَّة مواقع ثقافيَّة
ولا شكَّ أنَّها مسؤوليَّة مواقع اجتماعيَّة
هكذا تكون الأوطان بخير
وهكذا تكون الأوطان نظيفة
وهكذا تكون الأوطان صالحة
وهكذا تكون الأوطان آمنة
وهكذا تكون الأوطان طيِّبة
وهكذا يكون الوطنيُّون الصَّادقون
لا تكفي الكلمات، ولا تكفي الشِّعارات إذا لم يكن هناك مشاريع صادقة تخدم الأوطان وتخدم أبناء الأوطان، وتخدم أمن الأوطان وتخدم كرامة الأوطان، وعزَّة الأوطان.
2- كلمة شكر وثناء على خطوة الإفراجات الأخيرة
وأختم الكلمة الأخيرة
بالشُّكر والثَّناء على خطوة الإفراجات الأخيرة، آملين أن تستمرَّ الخُطوات في هذا الاتِّجاه، الأمر الذي يؤسِّس لخيارات طيِّبة تخلق أجواء طيِّبة، وما أحوجَ الوطن إلى المزيد من إنتاج هذه الخَيارات ممَّا يملأ القلوب بالرِّضا والاطمئنان ولكي تتحوَّل كلُّ القدرات في صناعةِ الأمنِ والاستقرار، والتَّآلف والتَّقارب والتَّحابب، وبقدر ما يرتفع منسوب هذه العناوين يكون الوطن طيِّبًا، ويكون الشَّعب هانئًا.
لا يصنع الأوطان الصَّالحة إلَّا العدل، والأمن، والمحبَّة، والتَّعاون.
هكذا تتشكَّل الخَيارات الصَّالحة، والمسارات النَّاجحة، وهكذا تتقارب الإرادات الخيِّرة.
3- في ذكرى رحيل العلَّامة الجمري
تمرُّ ذكرى أحد رموز هذا الوطن الكبار العلَّامة الجمري (رضوان الله عليه)، له تاريخه وعطاؤه، ولا تتَّسع كلمة عاجلة في لقاء عاجل أن تسلِّط الضَّوء على هذه الشخصيَّة التي جسَّدت تاريخًا كبيرًا في هذا الوطن، وهذه الرُّموز يجب أنْ تبقى في ذاكرة الأجيال، وفي وعي الأجيال، وفي وجدان الأجيال، وفي سلوك الأجيال، وفي كلِّ مسارات الأجيال.
هكذا تُحصَّن الأجيال في مواجهة كلِّ مشاريع الفساد والضَّلال والانحراف.
وهكذا يتمُّ الحفاظ على هُويَّة الأوطان، هذه الهُويَّة التي يجب حِراستها مِنْ قِبَل الأنظمة، ومِنْ قِبَل الشُّعوب، فرموز الدِّين والقِيَم والوطن هم الحُصون المنيعة والحُرَّاس الأمناء والأوفياء، فحبُّ الأوطان مِنَ الإيمان.
[1] المجلسي: بحار الأنوار 86/314، ح 21.
[2] الطُّوسي: مصباح المتهجِّد، ص 284، ح 391/3.
[3] الرَّيشهري: حِكَم النَّبيِّ الأعظم (ص) 4/387، ف: 15 (الحسنة والإحسان)، 15/1 الحث على الحسنة، ح 5770.
[4] سورة الأنعام: الآية 160.
[5] الصَّدوق: معاني الأخبار، ص 278، ح 290/11.
[6] الصَّدوق: الأمالي، ص 267.
[7] الكليني: الكافي 2/240، ح 31.
[8] الرَّيشهري: حِكَم النَّبيِّ الأعظم (ص) 1/414، ح 976.



