حديث الجمعة 669:الولادة الروحية (5) – مقومات نجاح أهداف الجمعيَّات الخيريَّة
مسجد الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) – القفول حديث الجمعة (669) التَّاريخ: يوم الخميس (ليلة الجمعة) 5 جمادى الآخرة 1447هـ - الموافق: 27 نوفمبر 2025 م
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلين مُحمَّدٍ وآلِهِ الهُداةِ الميامين.
السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
العنوان الأوَّل: الولادة الرُّوحيَّة 5
لا زالَ الحديثُ موصُولًا في ثوابِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ وآلِهِ الهُداةِ الميامين.
وأكَّدنا ولا زِلنا نُؤكِّد أنَّ ثوابَ هذه الصَّلاةِ يعتمد عاملين:
الأوَّل: عامل الكمِّ
فكلَّما زاد عددُ الصَّلواتِ على النَّبيِّ وآلِهِ (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم) ارتفعَ الثَّوابُ والأجر.
الثَّاني: عاملُ الكيف
وهو الأهمُّ، ونعني بعاملِ الكيف هو:
1- مستوى الوعي بمضمونِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ وآلِهِ (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم).
2- مستوى الإخلاص في النُّطق بهذه الصَّلاة.
وكلَّما ارتقى مستوى الوعي ومستوى الإخلاص ارتقت درجاتُ الثَّواب، هنا يكون للعدد قيمته ويكون للتِّكرار قيمته.
فما ورد في الرِّواياتِ من ثواب الاكثارِ من الصَّلاة على النَّبيِّ وآلِهِ مقرون بدرجات الوعي، وبدرجات الإخلاص.
ووِفْق كلِّ الاعتبارات فإنَّ المداومة على هذه الصَّلاة يؤصِّل الحبَّ للنبيِّ وآلِهِ وكلَّما تأصَّل الحبُّ ارتفعت مقاماتُ العبدُ عند الله سبحانه.
• عن أنس بن مالك قال:
«جاءَ رجُلٌ مِن أهلِ البادِيَةِ – وكانَ يُعْجِبُنا أنْ يأتيَ الرَّجُلُ مِن أهل ِالبادِيَةِ يَسألُ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وآله –
فقالَ: يا رسولَ اللهِ، متى قِيامُ السَّاعةِ؟
فحَضَرَتِ الصَّلاةُ، فلَمّا قَضى صَلاتَهُ قالَ [صلَّى الله عليه وآله]: أينَ السَّائلُ عنِ السَّاعةِ؟
قالَ: أنا يا رسولَ اللهِ.
قالَ [صلَّى الله عليه وآله]: فما أعْدَدْتَ لَها؟
قالَ: واللهِ ما أعْدَدْتُ لَها مِن كثيرِ عَملٍ لا صَلاةٍ ولا صَومٍ، إلَّا أنِّي أحِبُّ اللهَ ورسولَهُ.
فقالَ لَهُ النَّبيُّ (صلَّى الله عليه وآله): المَرءُ مَع مَن أحَبَّ.
قالَ أنسٌ: فما رأيتُ المسلِمينَ فَرِحوا بَعدَ الإسلامِ بشَيئٍ أشدَّ مِن فَرَحِهِم بهذا».([1])
بعد هذه المقدمة:
نتابع الكلام حول ثواب الصَّلاة على النَّبيِّ وآله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
ونذكر هنا:
نموذجًا رابعًا
من الأحاديث الواردة في فضل الصَّلاة على النَّبيِّ وآله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم).
• قال (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم):
«للمصلِّي عَلَيَّ نورٌ عَلَى الصِّراطِ يوم القِيامة، ومَنْ كانَ على الصِّراطِ من أهلِ النُّور لَم يَكُن مِن أهلِ النَّارِ».([2])
ما معنى صراط الآخرة؟ هذا الذي يعبر عليه الخلائق يوم القيامة؟
هذا غيب مِن غيب الله.
ربما تحدَّثت الرِّوايات عن صفات الصِّراط.
وربما تحدَّثت عن أصناف الخلائق الَّذين يمرُّون على الصِّراط في الآخرة.
• في الحديث المروي عن الأئمَّة (عليهم السَّلام):
جاء عن الإمام الصَّادق (عليه السَّلام):
«النَّاسُ يَمُرُّونَ على الصِّراطِ طَبَقاتٍ: …
فَمِنهُم مَن يَمُرُّ مِثلَ البَرقِ،
ومِنهُم مَن يَمُرُّ مِثلَ عَدْوِ الفَرَسِ،
ومِنهُم مَن يَمُرُّ حَبْوًا،
ومِنهُم مَن يَمُرُّ مَشْيًا،
ومِنهُم مَن يَمُرُّ مُتَعَلِّقاً قد تَأخُذُ النَّارُ مِنهُ شَيئًا وتَترُكُ شيئًا».([3])
• وفي الحديث عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم):
«…، أسبِغِ الوُضُوءَ، تَمُرَّ على الصِّراطِ مَرَّ السَّحابِ».([4])
هناك أمور تثبِّت القدم على الصِّراط:
1- من هذه الأمور محبَّة أهل البيت (عليهم السَّلام)
• في الحديث عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم):
«أثبتكم قدمًا على الصِّراط أشدُّكم حُبًّا لأهل بيتي».([5])
2- ومن الأمور التي تثبِّت الأقدام على الصِّراط الصَّلاة على النَّبيِّ وآله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم).
تقدّم الحديث عن النَّبيِّ (صلَّى الله عليه وآلِهِ) حيث قال:
«للمصلِّي عَلَيَّ نورٌ عَلَى الصِّراطِ يوم القِيامة، ومَنْ كانَ على الصِّراطِ من أهلِ النُّور لَم يَكُن مِن أهلِ النَّارِ».([6])
وطبعًا الصَّلاة التَّامة وليس الصَّلاة البتراء.
وطبعًا الصَّلاة التي تمركز الولاء والحبَّ للنَّبيِّ وآله.
وطبعًا الصَّلاة التي تضعنا على الصِّراط المستقيم.
وطبعًا الصَّلاة التي تنفتح بنا على طاعة الله.
فحينما نقرأ الرِّوايات المكثَّفة التي تتحدَّث عن القيمة العظمى للصَّلاة على النَّبيِّ وآلِهِ (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم) حيث جاء في بعضها:
• قالَ رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآلِهِ): «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً واحدة صَلَّى اللهُ عَلَيهِ عَشر مرَّات،
ومَنْ صَلَّى عَلَيَّ عَشر مرَّات صَلَّى اللهُ عَلَيهِ مِائةَ مَرَّة،
ومَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِائةَ مَرَّة صَلَّى اللهُ عَلَيهِ ألفَ مَرَّةٍ،
ومَنْ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ ألفَ مَرَّةٍ حرَّم الله جسده على النَّار، وثبَّته بالقول الثَّابت في الحياة الدُّنيا، وفي الآخرة، وعند المسألة، وأدخله الجنَّة، وجاءت صلاتُه عَلَيَّ لها نور يوم القيامة على الصَّراط مَسيرة خَمسمِائةِ عامٍ، وأعطاه اللهُ بكلِّ صلاةٍ صلَّاها عَلَيَّ قصرًا في الجنَّة، قَلَّ ذلكَ أو كَثُرَ».([7])
هذا العطاء الكبير، الكبير جدًّا، للصَّلاة على النَّبيِّ وآله يعنى أنَّ لها دلالات إيمانيَّة عظمى وليست مجرَّد ألفاظٍ وكلمات، صحيحٌ أنَّ للكمِّ قيمتُه بشرط أن تكون المضامين حاضرة.
فهذه الصَّلاة التي لها قيمتها الكبرى.
– عند الاحتضار.
– وفي القبر.
– وحين البعث والنُّشور.
– وفي الحشر.
– وفي مواقف القيامة.
وبقدر الإكثار من هذه الصَّلاة.
وبقدر ما نستحضر دلالاتها الكبرى.
وبقدر ما نعيش هذه الدَّلالات تتحقَّق المعطيات العظمى، وما أعظمها من معطيات، ولا يبخل فيها إلَّا «جَاهِلٌ مَغْرُورٌ قَدْ بَرِئَ الله مِنْه ورَسُولُه وأَهْلُ بَيْتِه»([8])، وأيُّ خسرانٍ هذا الخسران؟! وأيُّ مصيرٍ هذا المصير؟!
نواصل الحديث إنْ شاء الله في المعطيات العظمى في الصَّلاة على الحبيب المصطفى وآلِهِ النُّجباء.
العنوان الثَّاني: كلمة أخيرة: مقومِّات نجاح أهداف الجمعيَّات الخيريَّة
تناولنا في الكلمة الأخيرة الماضية إشارة عابرة إلى دور الجمعيَّات الخيريَّة في هذا الوطن، ونتابع الحديث لأهميَّة دور هذه المواقع الاجتماعيَّة، ولعلَّ مِن أهمِّ سمات هذا الوطن وجود هذه الظَّاهرة الطَّيِّبة الكريمة ظاهرة الجمعيَّات الخيريَّة، فنشكر الله تعالى أنْ وفَّر لأبناء هذا الوطن هذه المواقع الخيريَّة التي ساهمت كثيرًا في تخفيف آلام هؤلاء البائسين والضُّعفاء والفقراء.
وبقدر ما تنشط هذه المشاريع الخيريَّة ترتفع أزمات البائسين والمحرومين.
ولكي يتحقَّق النَّجاح لهذه المشاريع الخيريَّة:
مطلوبٌ أوَّلًا: الدَّعم الرَّسميّ الكبير مِمَّا يُعطي حراكًا قويًّا لهذه المشاريع الخيريَّة، كما يُعطي عنوانًا حضاريًّا لهذا الوطن.
ومطلوبٌ ثانيًا: الفاعليَّة والنَّشاط لكوادر العمل في هذه الجمعيَّات، وبقدر ما تنشط هذه الكفاءات يكون العطاء أكبر.
والحذر كلُّ الحذر مِن العزوف عن العمل، فهذا يؤدِّي إلى نتائج سلبيَّة في العملِ الخيريِّ، ورُبَّما لهذا العزوف بعض مبرِّرات، مطلوبٌ أنْ تُعالج كلَّ الإشكالات التي تواجه العمل الخيريّ.
ومطلوبٌ ثالثًا: الدَّعم للعمل الخيريّ مِن قِبل أصحاب الإمكانات؛ مِمَّا يدفع بأعمال الخير في هذا الوطن، ومِمَّا ينشِّط بحركة هذه الجمعيَّات.
وحينما نتحدَّث عن الدَّعم لهذه الفعَّاليَّات الخيريَّة نتحدَّث عن دعم مشروعٍ وِفق معايير الشَّرع والقانون.
وهكذا تتآزر كلُّ القدرات على إنجاح الأعمال الخيريَّة التي يقرُّها الدِّين والشَّرع، وتساندها القوانين العادلة، وبقدر ما يقوى هذا التَّآزر تنشط الأعمال الخيريَّة الهادفة؛ مِمَّا يملأ الأوطان خيرًا ومحبَّة، وتآلفًا وتواصلًا.
ويجب أنْ تعالج كلُّ المعقِّدات للعمل الخيريّ، وبقدر ما تعالج هذه المعقِّدات ينطلق هذا العمل بكلِّ فاعليَّة ونجاح، ولا نعتقد أنْ مخلصًا للوطن وأبناء الوطن يفكِّر في تعقيد مساراتِ العمل الخيريّ مهما كانت الأسباب والمبرِّرات.
نعم، لا نريد للعمل الخيريّ أنْ ينطلق انطلاقًا عشوائيًّا، فهذا يضرُّ بمسارات العمل، كما لا نريد للعمل الخيريّ أنْ يُكبَّل بمكبِّلاتٍ تعقِّد مساراته، فالانفلات في العمل الخيريّ له منتجاته الخطيرة، وكذلك التَّكبيل له آثاره الخطيرة.
وهكذا يجب أنْ تتآزر مواقع العمل الخيريّ لإنجاح أهدافه وغاياته، مِمَّا يملأ الأوطان خيرًا وحبًّا، وصلاحًا، وتآلفًا وتقاربًا، ومِمَّا يُقارب بين الأنظمة والشُّعوب.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وصلَّى الله على مُحمَّدٍ وآلِ مُحمَّد.
———————————————————–
الهوامش:
[1] الصَّدوق: علل الشَّرائع 1/139، ب 117 (العلَّة التي من أجلها وجبت محبَّة الله تبارك وتعالى، ومحبَّة رسوله وأهل بيته صلوات الله عليهم على العباد)، ح2.
[2] عليّ محمَّد دخيل: ثواب الأعمال وعقابها، ص 45، (ثواب الصَّلاة على النَّبيِّ (ص))، ح 6.
[3] الصَّدوق: الأمالي، ص 242، (المجلس الثَّالث والثَّلاثون)، ح 257/5.
[4] الصَّدوق: الخصال، ص 181، (باب الثَّلاثة)، ح 247.
[5] الصَّدوق: فضائل الشِّيعة، ص 5.
[6] عليّ محمَّد دخيل: ثواب الأعمال وعقابها، ص 45، (ثواب الصَّلاة على النَّبيِّ (ص))، ح 6.
[7] المصدر السَّابق، ص 45، ح 9.
[8] الكليني: الكافي 2/492، (ك: الدُّعاء، ب: الصَّلاة على النَّبِيِّ مُحمَّدٍ وأَهْلِ بَيْتِه عليهم السَّلام)، ح 6.


