شهر جمادى الأولى

حديث الجمعة 666: الولادة الروحية (2) – هموم الوطن الكبرى .. البطالةُ نموذجًا

مسجد الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) – القفول حديث الجمعة (666) التاريخ: يوم الخميس (ليلة الجمعة) 08 جمادى الأوّل 1447هـ - الموافق: 30 أكتوبر 2025 م

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلين مُحمَّدٍ وآلِهِ الهُداةِ الميامين.

السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.

لازال الحديث مستمِرًّا حول الولادة الرُّوحيَّة

وذكرنا نموذجين:

النَّموذج الأوَّل: حينما يُصلِّي العبد صلاة خاشعةً منقطعةً إلى الله سبحانه انقطاعًا كاملًا، فهذه الصَّلاة

تصنع منه مولودًا روحيًّا جديدًا قد تساقطت ذُنوبه ومعاصيه، إلَّا ما كان مِن حقوق العِباد، وهنا يوفقَّهُ

الله سبحانه إلى أدائها، أو رضا أصحابها.

النَّموذج الثَّاني: السَّعي في قضاء حوائج المرضى قُضيت أم لم تُقضى، فهذا السَّعي يجعل مِن هذا السَّاعي مولودًا جديدًا قد خرج مِن ذنوبه كيوم ولدته أمُّه، هكذا قِيمة مَن يسعى في قضاء حوائج العِباد بنيَّةٍ خالصةٍ صادقةٍ طامعةٍ في ثواب الله تعالى.

يستمرُّ بنا الحديث في ذِكر نماذج أخرى تمثِّل الولادة الرُّوحيَّة:

النَّموذج الثَّالث:

جاء في الحديث عن رسولِ الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):

«ما تَصافَحَ أَخَوانِ في اللهِ عزَّ وجلَّ إلَّا تَناثَرَتْ ذُنوبُهُما حَتَّى يَعُودانِ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُما أُمُّهُما،

…».([1])

قد يبدو سهلًا جدًّا أنْ تضع يدك في يد أخيك مصافحًا ومسلِّمًا، وقد أصبح هذا الأمر مألوفًا وسهلًا جدًّا. فما تلاقينا إلَّا وتصافحنا، ولا يكلِّفنا هذا الأمر جهدًا ولا عَناء.

أيكون هذا الفعل وبكلِّ بساطة سببًا في خروج الإنسان مِن كلِّ ذنوبه، ويصبح مولودًا جديدًا؟

المسألة لسيت بهذه البساطة وبهذه السُّهولة.

المسألة ليست أنْ تتلاقى الأكف والأيدي.

إذًا ماذا يعني التَّصافح؟

إنَّه يعني أنْ تتصافح القُلوب

هنا الصُّعوبة كلّ الصُّعوبة.

وأيُّ تصافحٍ للقلوب؟

فليس كلّ ما تصافح قلبان كان هذا التَّصافح سببًا في الولادة الإيمانيَّة، فما أكثر ما تتقارب القُلوب مِن أجلِ مصالح دُنيا، ومِن أجلِ أغراض باطلة، فهل يكون هذا التَّقارب يمثِّل ولادةً إيمانيَّة رُوحيَّة؟

الأمر ليس كذلك.

القُلوب والأرواح على حبِّ اللهِ، وحبِّ أولياءِ الله، حينما تتلاقى القُلوب والأرواح على طاعة الله.

ولذلك فالحديث الذي ذكرناه يقول: «ما تَصافَحَ أَخَوانِ في اللهِ عزَّ وجلَّ، …».

ما معنى في الله عزَّ وجلَّ؟

  • أنْ يكون التَّصافح حبًّا لله تعالى، وهذا هو أرقى ألوانِ التَّصافح.

ويليهِ لونانِ مِن التَّصافح:

  • أنْ يكون التَّصافح طمعًا في ثواب الله
  • وأنْ يكون التَّصافح خوفًا مِن عقاب الله

وهذان اللَّونان مِن التَّصافح مقبولان عند الله تعالى، وفيهما ثوابٌ عظيم وكبير، ويبقى اللَّون الأوَّل هو الأرقى، وجميع هذه الألوان تعدُّ تصافحًا في الله عزَّ وجَلَّ.

والرِّوايات الواردة في التَّصافح، والمقيَّدة بأنْ يكون تصافحًا في الله تتَّسع لكلِّ هذه الألوان الثَّلاثة رغم تفاوت الثَّواب.

أذكر هنا بعض روايات تحدَّثت عن التَّصافح:

  • الحديث الذي مرَّ ذِكرهُ:

قول النَّبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):

«ما تَصافَحَ أَخَوانِ في اللهِ عزَّ وجلَّ إلَّا تَناثَرَتْ ذُنوبُهُما حَتَّى يَعُودانِ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُما أُمُّهُما،

…».([2])

  • قوله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم):

«إِذَا الْتَقَيْتُمْ فَتَلَاقَوْا بِالتَّسْلِيمِ والتَّصَافُحِ، وإِذَا تَفَرَّقْتُمْ فَتَفَرَّقُوا بِالاسْتِغْفَارِ».([3])

  • قوله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم):

«تَصافَحُوا؛ فإنَّ التَّصافُحَ يُذهِبُ السَّخيمَةَ».([4])

يعني الغِلّ والشَّحناء.

  • قوله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم):

«تَصافَحُوا؛ فإنّهُ يَذهَبُ بِالغِلِّ».([5])

  • قول أمير المؤمنين (عليه السَّلام):

«إذا لَقِيتُم إخوانَكُم فَتَصافَحُوا، وأظهِرُوا لَهُمُ البَشاشَةَ والبِشرَ، تَتَفَرَّقُوا وما علَيكُم مِن الأوزارِ قد ذَهَبَ».([6])

  • قول الإمام الباقر (عليه السَّلام):

«…، إنَّ المؤمنَ إذا صافَحَ المؤمنَ تَفَرَّقا مِن غَيرِ ذَنبٍ».([7])

وهنا تطرح بعض أسئلة:

السُّؤال الأوَّل: ماذا عن مصافحة الكفار والملحدين وأعداء الدِّين؟

الجواب: إذا لم يكونوا مُشهرين العداوة والحرب ضدَّ الإسلام والمسلمين، فلا مانع مِن مصافحتهم، ففي ذلك استمالة لقلوبهم.

  • قالَ أميرُ المؤمنين (عليه السَّلام):

«صافِحْ عَدُوَّكَ وإن كَرِهَ؛ فإنّهُ مِمّا أمَرَ اللهُ عَزَّ وجلَّ بهِ عِبادَهُ، يقول: ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ ﵞ([8])، …».([9])

وأمَّا إذا شهر العداوة والحرب ضدَّ الإسلام والمسلمين، فلا يجوز أنْ تمتدَّ الأيدي إليه ما دام مصِرًّا على هذه العداوة والحرب، وما دام في هذه المصافحة مَذَلةٌ وهوانُ.

 

السُّؤال الثَّاني: ماذا عن مصافحة أهل البدع والضَّلالات؟

الجواب: ما داموا مصرِّين على هذه البدع والضَّلالات، فإنَّ مصافحتهم ومسالمتهم يقوِّي المسارات الضَّالة.

نقرأ بعض الأحاديث التي تؤكِّد على مقاطعة أهل البدع:

  • قالَ رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم):

«إذا رأيتُم صاحِبَ بِدعةٍ فاكْفَهِرُّوا في وجهِهِ».([10])

  • وعنه (صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّم):

«مَن تَبَسَّمَ في وجهِ مُبتَدِعٍ فقد أعانَ على هَدمِ دِينِهِ».([11])

  • وعنه (صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّم):

«مَن أتى ذا بِدعةٍ فوَقَّرَهُ فقد سَعى في هَدمِ الإسلامِ».([12])

  • وعنه (صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّم):

«إِذَا رَأَيْتُمْ أَهْلَ الرَّيْبِ والْبِدَعِ مِنْ بَعْدِي فَأَظْهِرُوا الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ، …، والْقَوْلَ فِيهِمْ والْوَقِيعَةَ، وبَاهِتُوهُمْ كَيْلَا يَطْمَعُوا فِي الْفَسَادِ فِي الإِسْلَامِ، ويَحْذَرَهُمُ النَّاسُ ولَا يَتَعَلَّمُوا مِنْ بِدَعِهِمْ يَكْتُبِ الله لَكُمْ بِذَلِكَ الْحَسَنَاتِ ويَرْفَعْ لَكُمْ بِه الدَّرَجَاتِ فِي الآخِرَة».([13])

  • وعنه (صلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسلَّم):

«إذا ظَهَرتِ البِدَعُ في أُمَّتي فلْيُظهِرِ العَالِمُ عِلمَهُ، فمَنْ لَم يَفعلْ فعَلَيهِ لَعنةُ اللهِ».[14]

  • وعن الأئمة (عليهم السَّلام) قالوا:

«إذا ظَهَرتِ البِدعُ فعلَى العالِمِ أن يُظهِرَ عِلمَهُ، فإنْ لَم يَفعلْ سُلِبَ نورَ الإيمانِ».[15]

 

السُّؤال الثَّالث: ماذا عن مصافحة العُصاة المتجاهرين بالمعاصي؟

هنا لسنا مع كفَّار وملحدين

ولسنا مع مبدعين وضالِّين

نحن مع مسلمين، ولكنهم عُصاة وفُسَّاق.

فما حكم مصافحة العُصاة والفُسَّاق؟

إذا كان في هذه المصافحة إعانة على المعصية فهي مصافحة غير مشروعة.

وإذا كانت هذه المصافحة تشكِّل رضى بفعل المعصية فهي مصافحة مرفوضة.

وإذا كانت هذه المصافحة مجاملة لأهل المعاصي فهي مصافحة سيِّئة.

وأمَّا إذا كانت المصافحة مِن أجلِ الهداية والإرشاد، وكان هذا الهدف معتدًّا به، وكبيرًا فلا مشكلة في هذه المصافحة.

لقد ذكر الفقهاء للأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر مراتب:

المرتبة الأولى: أنْ يكون الأمر والنَّهي بالقلب:

كالمقاطعة، والمهاجرة، وعدم المصافحة وإبراز التَّقدير والاحترام.

المرتبة الثَّانية: أنْ يكون الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر باللِّسان مستخدمًا الكلمات المجدية والمؤثرة.

المرتبة الثَّالثة: اعتماد الأساليب العمليَّة الحكيمة، القادرة على مواجهة الظَّواهر الفاسدة والمنحرفة.

 

كلمة أخيرة

هناك قضايا تمثِّل هموم كبرى في هذا الوطن أو ذاك، وإذا لم تعالج هذه الهموم أصبحت أزمات، والأزمات تربك الأوطان، فمطلوب جدًّا أنْ تُعالج الهموم قبل أنْ تتحوَّل أزمات مُربكة للأنظمة والشُّعوب، ومسؤوليَّة معالجة هذه الهموم أو هذه الأزمات هي مسؤوليَّة أنظمة حاكمة أوَّلًا وبالذَّات ثُمَّ هي مسؤوليَّة شعوب، وبقدر ما تتقارب سياساتُ الأنظمة وإراداتٌ الشُّعوب تكون المواقف قادرةً على مقاربة الهموم والأزمات، وبقدر ما تتباعد هذه السِّياسات والإرادات تتعقَّد العلاجات والمقاربات، وإذا أردنا أن نقارب بعض أزمات هذا الوطن لا مِن أجلِ إنتاج التَّعقيدات، ولا مِن أجلِ الإساءة إلى سمعة وطننا العزيز، هذه السُّمعة التي يجب أنْ نحافظ عليها جميعًا، وإنَّما مِن أجلِ أنْ يبقى الوطن عزيزًا وكبيرًا وطيِّبًا وخاليًا مِن كلِّ المكدِّرات والمنغِّصات والمؤزِّمات.

ليس وفيًّا للوطن مَن يبقى صامتًا ومتفرِّجًا حين يرى الأزمات تكبر وتكبر مُشَكِّلةً أوضاعًا مقلقة، ومربكة للنِّظام أوَّلًا، وللشَّعب ثانيًا.

فالمسؤوليَّة مزدوجة

فلو أخذنا البطالة نموذجًا

لوجدنا أنَّ هذا العنوان يمثِّل همًّا كبيرًا يضرُّ بسمعة هذا الوطن الذي تزحف فيه العمالة الوافدة، ونحن لسنا ضدَّ الاستفادة مِن القدرات التي تشكِّل ضرورة لهذا الوطن، أمَّا وهذه القدرات موجودة ومؤهَّلة لدى أبناء هذا الوطن، فمِن الحيف الكبير أنْ تبقى هذه القُدرات معطَّلة، وتُستبدل بقدرات وافدة.

سررنا كثيرًا ما تمَّ الإعلان عنه مِن توجِّهٍ لدى الدَّولة نحو توظيف العاطلين من أبناء الوطن، ممَّا دفع بآلاف العاطلين إلى الازدحام عند مواقع التَّوظيف يشدُّهم الأمل كلّ الأمل أنْ يكون لهم حضور فاعل في خدمة هذا الوطن بعد أن درسوا وتخرَّجوا وامتلكوا المؤهَّلات والكفاءات، والتي بقت معطَّلة أعوامًا وأعوامًا.

نأمل كلَّ الأمل أنْ تكون هذه الخطوة جادَّة لكيلا يموت الأمل، ولهذا الكثير مِن التَّداعيات الصَّعبة والمربكة.

وبقدر ما يجد المواطنون حضورهم في مواقع العمل والخدمة لهذا الوطن يتكرَّس الولاء لهذه الأرض الطَّيِّبة.

وما أعظم أنْ يكون شعارنا هو الولاء للدِّين أوَّلًا ثُمَّ للوطن، مادام الوطن يحمي الدِّين، ويكرِّس الولاء لقِيم الدِّين، وإذا كان في هذا الوطن مَن لا ينتمي إلى هذا الدِّين مطلوب منهم أنْ يحترموا دِين هذا الشَّعب، وأنْ لا يسيئوا إلى شيئٍ مِن مقدَّساته وشعائره.

لا يُلزمون بأنْ ينتموا إلى هذا الدِّين، ولكن مطلوب منهم أنْ يلتزموا بضوابطه العامَّة التي تعبِّر عن هُويَّة هذا الوطن، وانتمائه، فلا تعني حرِّيَّة الانتماءات الأخرى التَّجاوز على الهُويَّة الإسلاميَّة لهذا الوطن.

[1] المجلسي: بحار الأنوار 71/309.

[2] المجلسي: بحار الأنوار 71/309.

[3] الكليني: الكافي 2/181، (ك: الإيمان والكفر، ب: المصافحة)، ح 11

[4] المجلسي: بحار الأنوار 74/158.

[5] المصدر السَّابق، ص 165.

[6] الصَّدوق: الخصال، ص 633.

[7] الطبرسي: مشكاة الأنوار، ص 200، (ب 4: في آداب المعاشرة مع النَّاس …، ف 5: في المصافحة والتَّقبيل).

[8] سورة فصَّلت: الآية 34.

[9] الصَّدوق: الخصال، ص 633.

[10] الرَّيشهري: ميزان الحكمة 1/514.

[11] الرَّيشهري: ميزان الحكمة 1/514.

[12] الرَّيشهري: ميزان الحكمة 1/514.

[13] الكليني: الكافي 2/375، (ك: الإيمان والكفر، ب: مجالسة أهل المعاصي)، 4.

[14] الكليني: الكافي 1/54.

[15] الرَّيشهري: ميزان الحكمة 1/517.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى