شهر ربيع الثاني

حديث الجمعة 665: الولادة الرُّوحيَّة (1) – همّ العاطلين

مسجد الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) – القفول حديث الجمعة (665) تاريخ: يوم الخميس (ليلة الجمعة) 23 ربيع الآخر 1447هـ - الموافق: 16 أكتوبر 2025 م

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلين مُحمَّدٍ وآلِهِ الهُداةِ الميامين.

السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.

الولادة الرُّوحيَّة

هناك وِلادةٌ تسمَّى (الوِلادة الرُّوحيَّة).

ماذا تعني الوِلادة الرُّوحيَّة؟

حينما يكون الإنسانُ في طريقِ الضَّلالِ والانحرافِ فهو ميِّتٌ روحيًّا، وهو ميِّتٌ إيمانيًّا.

وعندما تستيقظُ الهدايةُ في داخلِهِ، وحينما ينفتح على خطِّ الاستقامةِ يكون قد وُلِدَ رُوحيًّا، ويكون قد وُلِد إيمانيًّا.

وهنا هو في حاجةٍ إلى تركيزِ هذه الولادة، وفي حراسةِ هذا الإيمان.

والمسألة ليست سهلةً.

فنحن في زَمنٍ صَعبٍ، والتَّحدِّياتُ التي تواجه الإيمانَ قاسيةٌ جدًّا، والمنزلقات خطيرة.

تحدِّياتُ ما قبل قرنٍ، ومنزلقاتُ ما قبل قرن تختلف عن تحدِّياتِ ومنزلقاتِ هذا العصر.

اليوم حراسةُ الأجيال صعبةٌ وصعبةٌ جدًّا.

مِن أجلِ أنْ تحرسَ أجيالَ هذا العصر تواجهُكَ أنظمةٌ، تواجهُكَ كياناتٌ، تواجهك قوى عالميَّة كبرى. فما عادت هذه الحراسة خَيارًا سَهَلًا.

هنا الضَّرورةُ كلُّ الضَّرورة أنْ تتطوَّر أساليبُ الرِّعايةِ لأجيالِ هذا العصر.

مَنْ يتحمَّلُ مسؤوليَّةَ هذه الرِّعاية؟

– يتحمَّلُها علماءُ دينٍ

– يتحمَّلُها خطباءُ منبر

– يتحمَّلُها نُشَطاء وعي

– يتحمَّلُها كلُّ حُرَّاسِ الأجيال

– ويتحمَّلُها كلُّ مَنْ يملك القدرة أنْ يمارس دورًا في هذه الرِّعايةِ، وفي هذه الحراسة.

أعودُ إلى عنوان الولادة الرُّوحيَّة

هذا العِنوان جاء ذكرهُ في الرِّواياتِ الواردةِ عن رسولِ اللهِ (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم)، وعن الأئمَّة مِن أهل البيت (عليهم السَّلام).

أذكر هنا بعضَ نماذج:

النَّموذج الأوَّل

جاء في الحديث عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم):

«إذا قامَ العَبدُ إلى الصَّلاة، فكانَ هَواهُ وقَلبُهُ إلَى اللهِ تعالى؛ انصَرَفَ كَيومِ وَلَدَتهُ أُمُّهُ».([1])

المسألة ليست سهلةً، إنَّها في حاجةٍ إلى رقابةٍ صارمة، فالشَّيطان يستنفر جنوده؛ ليسرق خشوع المُصلِّين، رُبَّما لا يستطيع الشَّيطان أنْ يدفعنا إلى ترك الصَّلاة، هنا يمارس دوره في سرقة الخشوع، فيبقى الجسم حاضرًا في الصَّلاةِ ولكن القلب غائب.

وهذا ما أشار إليه القُرآن الكريم في قولهِ تعالى:

• ﴿فَوَيۡلٌ لِّلۡمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ﴾.([2]) (سورة المَاعُون: الآية 4 – 5)

• في الحديث

«مَنْ خَشَعَ قَلْبُهُ خَشَعَتْ جَوَارِحُهُ».([3])

• وفي الحديث:

«إيَّاكُم وتَخَشُّعَ النِّفاقِ، وهُوَ أنْ يُرى الجَسَدُ خاشِعًا والقَلبُ لَيس بخاشِعٍ».([4])

إنَّ قِيمة الصَّلاة الخاشعة هي الولادة الرُّوحيَّة الجديدة، «انصَرَفَ كَيومِ وَلَدَتهُ أُمُّهُ».

 

النَّموذج الثَّاني

• جاء في الحديث عن رسولِ الله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم):

«…، مَنْ سَعَى لِمَرِيضٍ فِي حَاجَةٍ قَضَاهَا، أ لَمْ يَقْضِهَا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، …».([5])

مِن أقدس وأشرف وأعظم الأعمالِ قضاء حوائج المرضى.

وماذا يعني قضاء حوائج المرضى؟

يعني قضاء حوائج المرضى السَّعي في علاجهم، وفي جميع حوائجهم الصِّحيَّة.

وهنا نثمِّن أيَّ عمل يخدم المرضى، صدر هذا العمل مِن جهات رسميَّة أو جهات شعبيَّة، مِن أفرادٍ أو مؤسَّساتٍ.

إنَّنا نشدُّ على أيدي حرَّاس المرضى، فالمرضى في حاجة إلى حراسة كبيرة، وإلى رعاية صادقة، ورُبَّما يتكلَّل السَّعي في شؤون المرضى بالنَّجاح، ورُبَّما لا يتكلَّل.

وفي كلتا الحالتين يتوفَّر الأجرُ والثَّواب.

وما مستوى هذا الأجر الذي يحصل عليه هذا السَّعي لعلاج المرضى؟

«…، مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».

وهنا نقطة يجب التَّذكير بها.

مطلوبٌ جدًّا أنْ يتوفَّر الإخلاص؛ بأنْ يكون هذا السَّعي في خدمة هذا المريض (تقرُّبًا إلى الله تعالى).

إمَّا طَمعًا في ثواب الله

وإمَّا خَوفًا مِن عقاب الله

وإمَّا حُبًّا لله تعالى.

وأمَّا إذا كان العمل رياءً، أو طمعًا في السُّمعة، أو لأغراض شخصيَّة فَقَدَ هذا العمل قِيمتَه الرَّبَّانيَّة، وعنوانَه الأخرويّ.

فهنيئًا لسُعاة الخير في قضاء حوائج النَّاس، وخاصَّة المرضى والبائسين.

• في الحديث عن رسولِ اللهِ (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم): «…، مَنْ مَشَى فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْفَعَتِهِ فَلَهُ ثَوَابُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، …».([6])

• وعنه (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم): «مَنْ قَضَى لِمُؤْمِنِ حَاجَةً قَضَى اللهُ لَهُ حَوَائِجَ كَثِيرةً، أدْناهُنَّ الجَنَّةُ».([7])

• وعن الإمامِ الباقر (عليه السَّلام):

«…، ولأنْ أَعُولَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ أَسُدَّ جَوْعَتَهُمْ، وأَكْسُوَ عَوْرَتَهُمْ، فَأَكُفَّ وُجُوهَهُمْ عَنِ النَّاسِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحُجَّ حَجَّةً وحَجَّةً [وحَجَّةً] ومِثْلَهَا ومِثْلَهَا – حَتَّى بَلَغَ عَشْرًا -، ومِثْلَهَا ومِثْلَهَا – حَتَّى بلغ السَّبعين -».([8])

 

كلمة أخيرة

واحدة مِن أهمِّ هموم هذا الوطن وجود العاطلين، رغم ما يملكون مِن قُدُرات وكفاءات وشهادات!

هناك وظائف، وهناك أعمال لكنَّها مُعبَّأة بقُدُرات وافدة، لا نرفض الاستفادة مِن كفاءات الخارج ما دامت هناك ضرورة وحاجة.

أمَّا والقُدُرات مِن أبناء هذا الوطن موجودة ومتوفِّرة ومؤهَّلة، وبإمكانها أنْ تملأ كلَّ الفراغات، فلا مبرِّر أنْ نسترفد القُدُرات مِن الخارج وتبقى كفاءاتُ الوطن مُعطَّلة!

إنَّ وجود أعدادٍ كبيرة مِن العاطلين مِن أبناء هذا الوطن له تداعيات خطيرة على هذا الوطن، ولست هنا في صدد ذكر هذه التَّداعيات، ولا أشكُّ أنَّ النِّظام على بصيرةٍ تامَّةٍ بهذه التَّداعيات، وبآثارها الخطيرة.

وإذا كانت الأصوات المُخلِصة لهذا الوطن تصرُّ على معالجة كلِّ الأزمات، فحبًّا لهذا الوطن، وإخلاصًا لهذه الأرض، وبقدر ما تعالج المكدِّرات يكون الوطن بخير، ويكون الشَّعب بخير، ويكون النِّظام بخير.

وبعد هذا التَّمهيد نقول كلمة تثمين للقرار الرَّسميِّ بحلحلة مسألة العاطلين.

نبارك هذا القرار، ويباركه كلُّ أبناءِ هذا الوطن، آملين أنْ لا يبقى على هذه الأرض عاطل، الأمر الذي يزرع الأمن والأمان، ويكرِّس التَّآلف والتَّقارب، وينشر المحبَّة والصَّفاء، ويرفع المُكدِّرات والمنغِّصات.

إنَّ هناك ملفَّات يجب أنْ تُعالج؛ ليكون الوطن بلا مُنغِّصات، وبلا مُكدِّراتٍ.

وبقدر ما تتعاون الإرادات، وتتقارب الخيارات في تنقية الوطن مِن المُنغِّصات، والمكدِّرات يتكرَّس الخير على هذه الأرض.

ومِن المُكدِّرات التي تشغل بال أبناء هذا الوطن مسألة السُّجناء، وإنَّنا نثمِّن خطوات الإفراج عن السُّجناء، آملين أنْ تكتمل هذا الخطوات بتفريغ السُّجون.

وبقدر ما تستمرُّ القرارات الطَّيِّبة.

وبقدر ما تتلاقى الإرادات الخيِّرة يكون هذا الوطن عزيزًا وطيِّبًا.

وطن بلا عاطلين، ووطن بلا سجناءُ رأيٍ وطنُ كرامة، وخير، وهناء.

ومَنْ يصنع هذا الوطن؟

يصنعه نظامٌ عادل

وشعبٌ عاقل

وعزائم خيِّرة

وإراداتٌ صالحة

أوطانٌ بلا هذه المُكوِّنات

أوطانٌ ضائعة، وفاشلة، وخاسرة، ومأزومة.

وأوطانٌ بلا أمنٍ ولا أمان، ولا خيرٍ ولا صلاح، ولا محبَّةٍ ولا صَفاء.

فأوطانٌ فاقدة لهذه المُكوِّنات أوطانٌ تحتاج مراجعة؛ لكي تتمُّ صياغتها، ولكي يتمُّ إعادة بنائها، لا يكفي إعلام ملمِّع، بل الضَّرورة كلُّ الضَّرورة أنْ يكون الواقع يتحدَّث.

فما أكثر الأنظمة التي تملك إعلامًا كبيرًا ولكن الواقع سيِّئًا كلَّ السُّوء.

فلا أقوى مِن إعلام الصَّهاينة ولا أكبر.

ولكنَّ الواقع صارخ بكلِّ معاني السُّوء، وبكلِّ معاني الظُّلم، وبكلِّ معاني البطش.

وهكذا إعلام دول كبرى.

المطلوب أنْ يتحرَّك الواقعُ الخيِّر، والواقع الصَّالح، والواقع النَّظيف.

هنا تكون الأوطان الكريمة، حينما تكون الأنظمة كريمة، والشُّعوب كريمة.

وآخرُ دَعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العَالمين.


الهوامش:

[1] المجلسي: بحار الأنوار 18 ق 2/401، (ك: الطَّهارة والصَّلاة، ب 16: آداب الصَّلاة)، ح 59.

[2]– سورة المَاعُون: الآية 4 – 5.

[3] الآمدي التَّميمي: غرر الحكم، ص 600، (ف 77: ممَّا ورد من حكم أمير المؤمنين (ع) في حرف الميم بلفظ مَنْ)، ح 527.

[4] ابن شعبة الحرَّاني: تحف العقول، ص 48، (مواعظ النَّبيّ (ص) وحكمه).

[5] الصَّدوق: من لا يحضره الفقيه 4/10، (ب 1: في ذكر جمل من مناهي النَّبي صلَّى الله عليه وآله).

[6] الصَّدوق: ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ص 337، (ب: يجمع عقوبات الأعمال).

[7] الحميري القمّيّ: قرب الأسناد، ص 119، (قرب الإسناد عن الإمام الصَّادق (ع)، أحاديث متفرقة)، ح 418.

[8] الكليني: الكافي 2/195، (ك: الإيمان والكفر، ب: قضاء حاجة المؤمن)، ح 11.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى