حديث الجمعة 664: المواسم الدِّينيَّة (3) الخطاب الدِّينيُّ – مِن همومِنا الكُبرى حفظُ الدِّينِ، وحفظُ قِيمِ الدِّين – هم السُّجناء
مسجد الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) – القفول حديث الجمعة (664) تاريخ: يوم الخميس (ليلة الجمعة) 16 ربيع الآخر 1447هـ - الموافق: 09 أكتوبر 2025 م
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلين مُحمَّدٍ وآلِهِ الهُداةِ الميامين.
السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
المواسم الدِّينيَّة (3)
الخطاب الدِّينيُّ
كان الحديثُ حولَ الخطابِ الدِّينيِّ: خِطابِ المسجدِ، خِطابِ المنبر، خطابِ المناسباتِ، خطابِ الفعَّاليَّات.
وقاربنا عنوانَ الإخلاص، فالثَّوابُ الأُخرويُّ متوقِّفٌ على هذا العُنوانِ، فالخطاب الدِّينيُّ الذي لا يحمل الإخلاص وإنْ كان يُسقط التَّكليف كونه أمرًا توصُّليًّا([1])، إلَّا أنَّ الثَّوابَ والأجر الأُخرويّ متوقِّف على الإخلاص.
والإخلاص كما تقدَّمَ القول: كونُ العملِ يصدر عن أحدِ دوافِع ثلاثة:
أ- أنْ يصدرَ عن رغبةٍ في ثوابِ الله.
ب- أنْ يصدرَ عن خوفٍ مِن عقابِ الله.
ج- أنْ يصدرَ عن حبٍّ للهِ تعالى.
وفي ضوء الحديث عن الإخلاص برز هذا السُّؤال:
هل أنَّ الخطيبَ الدِّينيَّ: خطيبَ مَسْجدٍ، أو خطيبَ مأتمٍ، أو خطيبَ مناسبةٍ حينما يتقاضى أُجْرةً مقابلَ خطابِهِ، هل يتنافى هذا مع الإخلاص؟
لا يتنافى مع الإخلاص مادام الهدف خدمة أهدافِ الدِّين، وذِكر سِيرة المعصومين (عليهم السَّلام)، وهذا عمل يستحقُّ الأُجْرة.
أذكر هنا نصًّا لأحدِ فقهائِنا العِظام وهو سماحة آية الله الشَّيخ محمَّد أمين زين الدِّين (رحمه الله تعلى)، جاء في رسالتِهِ العمليَّة كلمةِ التَّقوى:
يقول هذا النَّصُّ:
“تصحُّ الإجارةُ لذكرِ مصائبِ المعصومين (عليهم السَّلام) وشهاداتِهم، وتاريخهِم، والتَّعريفِ بفضائِلهم ومناقبِهم، وعُلوِّ مقامِهم، وقراءةِ خطبِهم (عليهم السَّلام) وكلماتِهم ومواعظهم، ونحو ذلك مِمَّا يُثبِّت الإيمانَ، ويُرسِّخُ العقيدةَ، ويبعث على اكتسابِ الخُلُقِ الرَّضيِّ، والعملِ الصَّالحِ، وعلى الاستباق إلى الخيراتِ، والتَّنافسِ في المكرماتِ، بل تحسنُ وتستحبُّ المواظبةُ على ذلك، والإجارةُ له، ويحلُّ أخذ الأُجْرةِ عليه”.([2])
هذا نصُّ ما جاء في (كلمة التَّقوى) للفقيه الكبير زين الدِّين.
والذي أكَّدَ على الأهداف الكبرى للخطابِ الدِّينيِّ، وبقدر ما تتجسَّد هذه الأهداف تكبر قِيمة الخطاب، وبقدر ما يتأصَّل الإخلاص ويرتقى الأداء يتحقَّقُ النَّجاح.
مواقع الخطاب الدِّينيِّ ليست ترفًا فكريًّا وثقافيًّا، بقدر ما هي رسالةٌ عُظمى تحتاجُ إلى مؤهَّلاتٍ كبرى.
وأيُّ خَلَلٍ في هذه المؤهَّلاتِ يُحدثُ خللًا في أداءِ هذه الرِّسالةِ، هذا الخللُ الذي يضرُّ بصناعةِ وعي الجمهور، وبسلوك الجمهور.
وعبر التَّاريخ مارس الخطابُ الدِّينيُّ، خاصَّة خطاب المنبر الحُسينيّ دورًا فاعلًا في التَّعريف بأهداف الدِّين، وبأهداف عاشوراء، وفي صناعة أجيال الدِّين، وأجيالِ عاشوراء.
ويجب أنْ يستمر هذا الدَّورُ الفاعلُ مهما كانت الصُّعوباتُ والتَّعقيداتُ والمعوِّقاتُ، ما دام الإيمانُ صادقًا، والوعيُ كبيرًا.
ومِن حقِّ الجمهورِ الإيمانيِّ أنْ يُطالب الخطابَ أنْ يكون حاضرًا في كلِّ همومه، وفي كلِّ هموم السَّاحة بشرط أنْ يكون هذا الحضور واعيًا وبصيرًا، وإلَّا أربك الموقف، وأزَّمَ الخيارات، هنا الصَّمتُ هو الخيار.
ولكن حينما تتَّضحُ الرُّؤية
ويكون الخطاب كفوءًا ورشيدًا
وتتآزرُ القُدُرات
وتترشَّدُ الخيارات
فلا معنى أنْ تصمت الكلمات
ما دامت واعية رشيدة
وما دامت صادقة وأمينة
وما دام هدفها خير البلاد والعِباد.
كلمة أخيرة
مِن همومِنا الكُبرى حفظُ الدِّينِ، وحفظُ قِيمِ الدِّين.
إنَّها مسؤوليَّةُ النِّظامِ أوَّلًا وبالذَّات، فحراسة الدِّين، وحراسة القِيم تُعطي للنِّظامِ مصداقيَّةً كبرى، وتؤسِّسُ للولاء الوطنيّ، وبقدر ما يجد المواطنُ هذه الحراسة تتجذَّر في داخله قِيم الانتماء لهذه الأرض، ولهذا الوطن، فلا أعظم مِن حماية الدِّين، وقِيم الدِّين.
وفي هذا السِّياق يأتي أمن الوطن، واستقرار الوطن ليتزاوج مع الدِّين، وقِيم الدِّين وهكذا تتجذَّر معايير الانتماء للوطنِ، وبقدر ما تكون المسؤوليَّة مسؤوليَّة نِظام هي مسؤوليَّة شعب أيضًا.
وبقدر ما تتزاوج هذه المسؤوليَّة، مسؤوليَّة النِّظام، ومسؤوليَّة الشَّعب في حماية الدِّين، والقِيم، والأمن، والأمان.
وبقدر ما يتجذَّر الولاء للوطن.
وبقدر ما تتلاقى الإرادات على الخير والصَّلاح؛ يكون الوطن بخير، ويكون الوطن في أمنٍ وأمان، خاصَّة ونحن أمام تحدِّيات خطيرة جدًّا، وأمام مخاضات صعبة جدًّا.
فهناك عدوٌّ مُرعبٌ يُهدِّدُ أوطانَنا بحروب مُدمِّرة، ابتلع فلسطين، وشنَّ حرب إبادة على أهلنا في غزَّة، وتتَّسع حرُوبه حتَّى طالت بعض مناطقنا في الخليج، وتهديداته في استهداف أوطاننا مستمِّرة، وفي اغتيال أمننا وأماننا.
فيجب أنْ تتوحَّدَ الإرادات الخيِّرة، والمواقفُ الصَّالحة في هذا الزَّمنِ المشحون بالتَّحدِّيات والتَّعقيدات. قد تختلف الرُّؤى والقناعات، إلَّا أنَّ المرحلة بكلِ تحدِّياتها القاسية تفرض تجميد الكثير مِن الخلافات، والكثير مِن النِّزاعات والصَّراعات، والكثير مِن التَّناقضات.
يكون مطلوبًا أنْ تعالج هموم الوطن، وهموم المواطن، لكي تتوحَّد الإرادات، وتتقارب القناعات.
وكلَّما تخفَّفت هذه الهموم كان المسار طيِّبًا.
وهنا يوقفنا (هم السُّجناء).. وإننا نرحب بخطوة الإفراج عن مجموعة من السجناء ضمن العقوبات البديلة، فكم يملأ هذه الإفراجات قلوبَ الآباء، والأُمَّهات، والأولاد، والزَّوجات الفرح والابتهاج؛ حينما تكتحل نواظرهم برؤية أبنائهم الذين غابوا عنهم طويلًا، أو برؤية إخوانهم، أو أزواجهم الذين فارقوهم فراقًا صعبًا.
ليس عسيرًا على إرادة النِّظام أنْ يُفرِّغ السُّجون، وهذا ما يقارب الهموم والإرادات، وتملأ كل القلوب بالرضا والاطمئنان.
وما أحوج الوطن إلى هذا التَّقارب، ما دام تقاربًا مِن أجلِ خير الوطن، وأبناء الوطن.
ليس هناك غالبٌ ومغلوبٌ حينما يكون دِين الوطن بخير، وأمن الوطن بخير، والشَّعب بخير، وهنا ضرورة أنْ تتآزر إرادة النِّظام وخيارات الشَّعب، وبقدر ما يتجذَّر هذا التَّآزر؛ يكون الوطن في أمنٍ وصَلاحٍ، وخيرٍ وهَناء، وعِزَّةٍ ورَخاء، وأُلفةٍ وصَفاء.
هكذا تكون الأوطانُ بخير.
وهكذا يزدهرُ الأمن والأمان.
وهكذا تنتهي الأَزماتُ والمُكدِّرات.
وهكذا يسودُ الحبُّ والوئِام.
هناك مَنْ يريدُ أنْ يقتلَ هذه المعاني الكبيرة.
وهناك مَنْ يريد أنْ يُصادِر هذه الخيارات.
فلتتوحد كلُّ الإراداتِ الخيِّرةِ والصَّالحةِ؛ مِن أجلِ العدل، والخير، والصَّلاح، والعِزَّة، والكرامة.
وآخرُ دَعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العَالمين.
الهوامش:
[1]– الأمور التَّوصُّليَّة لا يشترط فيها نيَّة القُربى:
– فردُّ السَّلام واجبٌ توصُّليّ.
– وتطهير البدن أمرٌ توصُّليّ.
– وصلة الأرحام كذلك.
– والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر.
ولكن لا ثواب إلَّا بقصد القُربة.
[2]– زين الدِّين: كلمة التَّقوى 4/343، (ك: الإجارة، ف 6: في إجارة الأرض وبعض أحكام الإجارة)، م 225.



