حديث الجمعة663:المواسم الدِّينيَّة (2) – ماذا يحمل المواطن مِن هموم؟
مسجد الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) – القفول حديث الجمعة (663) تاريخ: يوم الخميس (ليلة الجمعة) 9 ربيع الآخر 1447هـ الموافق: 02 أكتوبر 2025 م
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلين مُحمَّدٍ وآلِهِ الهُداةِ الميامين.
السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
المواسم الدِّينيَّة (2)
نتابعُ الحديثَ حول المواسمِ الدِّينيَّة، ونجاح هذه المواسم بقدر ما تنجح الإحياءات.
وهذا النَّجاح لا يعني ضخامة المظاهر، وإنْ كان لهذه المظاهر قِيمتُها وأثرها الكبير.
نجاحُ الإحياء يعني قدرة المواسمِ الدِّينيَّة على صناعةِ الأجيالِ في خطِّ الانتماءِ إلى الدِّينِ، وعقائدهِ وقِيمِهِ، وأحكامِهِ.
هنا تأتي القِيمةُ كلُّ القِيمة لخطابِ هذه المناسباتِ الدِّينيَّة، وبقدر ما ينجح هذا الخطاب في تأصيل المفاهيم والقِيم وصناعة الأجيال يكون الإحياء ناجحًا.
فالحاجة كبيرة إلى الخطابِ الدِّينيِّ النَّاجح:
- خطابِ مسجد
- خطابِ منبر
- خطابِ مناسبات
- خطابِ برامج دِينيَّة
- وخطابِ فعَّاليَّات.
وبقدر ما يرتقي مستوى نجاح هذا الخطابِ
يتحدَّد مستوى نجاح هذه المواقع والبرامج والمناسبات.
ونجاحُ الخطابِ الدِّينيّ له ضَوابطُهُ.
وخاصَّة حينما يقرأ التَّاريخ، وروايات التَّاريخ، فمطلوبٌ في روايات التَّاريخ بعض معايير، لكي لا يُقرأ التَّاريخ قراءة مزوَّرة، أو قراءة خطأ، أو قراءة مُلتبِسة.
طبعًا لا يطلب في هذه المعايير ما يطلب في روايات الفقه والأحكام والعقائد، والتي يتشدَّد الفقهاء في معاييرها وضوابطها.
نعم روايات التَّاريخ لها معاييرها.
فكم عبث العابثون في تشويش التَّاريخ تدوينًا، وفهمًا، وقراءة.
وكان للسَّلاطين دورٌ كبيرٌ في هذا التَّزوير، وكان للرُّواةِ المُدلِّسين، والذين باعُوا ضمائرهم أسوأ الأثر في إقحام الأكاذيب، والتي أعطت صورة مزوَّرة للكثير مِن مسارات التَّاريخ.
ولذلك مطلوبٌ في مَنْ يتصدَّى لقراءة التَّاريخ: كُتَّابًا، وخطباء، ودارسين، وباحثين أنْ يكونوا على درجةٍ عاليةٍ مِن البصيرة، والأمانة حينما يقرأون التَّاريخ، وحينا يطرحون قضايا التَّاريخ، وحينما يتحدَّثون عن شخصيَّات التَّاريخ، خشية السُّقوط في ألاعيبِ الأقلامِ المُدلِّسةِ المُزوِّرة.
وهنا وقفةٌ مع واحدٍ مِن أهمِّ مواقع الخطاب الدِّينيِّ، وهو المنبرُ الحُسَينيّ والذي مارس أدوارًا كبرى في تحصين مسيرة الأجيال، وفي الدِّفاعِ عن قضايا العقيدة، ممَّا يفرض أنْ تتوفَّر هذه المنابر على درجةٍ عاليةٍ مِن الوعي والبصيرة؛ لكي لا ينزلق أو ينحرف الخطاب، فليس كلُّ ما هو مدوَّن في الكتب يعتبر صحيحًا.
كما يُفترض على هذه المنابر لكي تملك النَّجاح والتَّوفيق أنْ تملك درجةً عالية مِن الإخلاص.
فإذا غاب الإخلاصُ، أو انخفض غاب الثَّواب الإلهيُّ.
وكم هو كبير وكبير ثواب الخدمة الحُسينيَّة.
وخاصَّة المنبر الحُسينيّ.
وهذا الثَّواب يكبر، ويعظم بقدر ما يكبر ويعظم الإخلاص.
وما معنى الإخلاص؟
الإخلاص هو الإتيان بالعمل مِن أجلِ الله سبحانه وتعالى.
وهذا الإخلاص له ثلاثة دوافع:
الدَّافع الأوَّل: الخوف مِن عقاب الله تعالى.
الدَّافع الثَّاني: الرَّغبة في ثواب الله تعالى.
الدَّافع الثَّالث: الحبُّ لله تعالى، والإيمان بأنَّه أهلٌ لأنْ يُطاع.
وهذا الدَّافع الثَّالث هو الأرقى، وإنْ كانت العِبادة تتحقَّق بأيِّ وجهٍ مِن الوجوه الثَّلاثة.
ونحن نتحدَّث عن الإخلاص لدى خطباء المنبر الحُسينيِّ يُطرح هذا السُّؤال:
هل أنَّ تسلُّم الخطيب الحُسينيّ مبالغ عوضًا عن مجالسه المنبريَّة يتنافى مع عنوان الإخلاص؟
لا يتنافى مع الإخلاص ما دام الهدف خدمة الإمام الحُسين (عليه السَّلام)، وهذا عملٌ يستحقُّ الأُجرة.
المسألة في حاجةٍ إلى المزيد مِن التَّوضيح نذكره في حديث الجمعة القادمة – إنْ شاء الله تعالى -.
كلمة أخيرة
ماذا يحمل المواطن مِن هموم؟
تُصنَّف هذه الهموم إلى مجموعة عناوين:
أذكرها بإيجاز:
العنوان الأوَّل: الهموم الفرديَّة
وينتظم ضمن هذه الهموم:
- معيشة الفرد
- صحَّة الفرد
- دراسة الفرد
- ثقافة الفرد
- أزمات الفرد
نتحدَّث هنا عن الهموم المشروعة، فقد تكون بعض الهموم غير مشروعة.
العنوان الثَّاني: هموم الأُسرة
وهي طبعًا أوسع مِن هموم الفرد.
وهنا تتشكَّل:
- مسألة النَّفقة على الأُسرة.
- صحَّة الأُسرة.
- رعاية الأولاد.
- تربية الأولاد.
- مستقبل الأولاد.
العنوان الثَّالث: هموم المنطقة
أنت تعيش في مدينة مِن مدن هذا الوطن، أو في قرية مِن قرى هذا الوطن، فمِنَ الطَّبيعيِّ أنْ يكون لهذه المدينة، أو لهذه القرية همومها وحاجاتها، ومِنَ الطَّبيعيِّ أنْ تكون هذه الهموم حاضرة لديك إذا كنت مخلصًا لمدينتك أو لقريتك.
وهنا يجب أنْ يرتفع صوتُك؛ ليحمل هموم المدينة أو القرية، فما أكثر أنْ تكون بعض المناطق مهمولة ومنسيَّة في كلِّ شؤونها، أو في بعض شؤونها:
- في شوارعها
- في حاجتها المعيشيَّة
- في زحف الوافدين عليها
- في انتشار المخدَّرات والظَّواهر الفاسدة …
العنوان الرَّابع: هموم الوطن
وهنا تتَّسع وتكبر الهموم.
فأمن الوطن، ووحدة الوطن، ورخاء الوطن، وكرامة الوطن.
وأكبر هموم الوطن الدِّين والقِيم، فوطنٌ بلا دِين ولا قِيم وطنٌ بلا هُويَّه، بلا أمن، بلا وحدة، بلا رخاء، بلا كرامة…
مَنْ المسؤول عن حراسة الدِّين والقِيم، وبالتَّالي حراسة أمن الوطن، ووحدة الوطن، ورخاء الوطن، وكرامة الوطن؟
إنَّها مسؤوليَّة النِّظام.
ومسؤوليَّة حُرَّاسِ الدِّين مِن علماءَ وخطباءَ ودُعاةٍ ومبلِّغين وناشطين.
ومسؤوليَّة كلِّ مَنْ ينتمي إلى هذا الوطن انتماءً أصيلًا وصادقًا.
فالحديث عن همومِ الوطن ليس حديثًا ترفيًّا، وليس حديثا للاستهلاك السِّياسيِّ، والخطابيِّ، والإعلاميِّ.
هنا الحاجة كلُّ الحاجة إلى النَّوايا الصَّادقة، والعزائم النَّاشطة.
رُبَّما تكون النَّوايا صادقة، ولكن صدق النَّوايا وحده لا يكفي.
المسألة في حاجة إلى أفعالٍ ناشطة، وإنجازات واثقة، وخيارات صائبة، ومسارات راشدة.
هنا الضَّرورة كلُّ الضَّرورة أنْ تتعاون الإرادات في كلِّ المواقع تعاونًا صادقًا، وجادًّا، وأمينًا، وأنْ تتلاقى الخيارات الصَّائبة، وتتآزر القناعات الرَّاشدة.
هكذا يبدأ مسار الإصلاح، والبناء، والتَّغيير.
وآخرُ دَعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العَالمين.



