حديث الجمعة 662: المواسم الدِّينيَّة والتَّحدِّيات التي تواجهها – هكذا تُذْبَحُ الطُّفولةُ بسلاحِ الفَتكِ الصُّهيونيّ
مسجد الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) – القفول حديث الجمعة (662) التاريخ: يوم الخميس (ليلة الجمعة) 2 ربيع الآخر 1447هـ الموافق: 25 سبتمبر 2025 م
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلين مُحمَّدٍ وآلِهِ الهُداةِ الميامين.
السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
المواسم الدِّينيَّة والتَّحدِّيات التي تواجهها
عشنا مجموعةَ مواسمَ دينيَّةٍ كبرى: موسمَ عاشوراء، وموسمَ الأربعين، وموسمَ المولد النَّبويِّ.
ونجاحُ هذه المواسم يعتمد على ثلاثة مُكوِّنات:
– خطاب ناجح (خطاب منبر/ خطاب احتفال/ خطاب فعَّاليَّات).
– إدارة ناجحة (إدارة مأتم/ إدارة احتفال/ إدارة فعَّاليَّات).
– جمهور ناجح (في كلِّ المواقع).
فخطابٌ ناجح يُعطي لهذه المواسم مضمونها الكبير.
وإدارةٌ ناجحة تُعطي لهذه المواسم مَسَارَها الصَّحيح.
وجمهورٌ ناجح يُعطي لهذه المواسمِ حضورها الفاعل.
التحدِّيات التي تواجه المواسم الدِّينيَّة
هناك تحدِّياتٌ تواجه هذه المواسم:
أوَّلًا: غياب العمل المؤسَّسي
هذا الغياب يمثِّل تحدِّيًا كبيرًا.
صحيح هناك لجان عمل في المآتم والبرامج الدِّينيَّة، إلَّا أنَّها لم تَرقَ إلى مستوى العمل المؤسَّسي:
– في الإعدادِ والتَّأهيل.
– في ممارسة المسؤوليَّات.
– في مواجهة التَّحدِّيات.
ثانيًا: غياب المنهج في معالجةِ تحدِّيات المرحلة
للمرحلة المعاصرة تحدِّياتها الكبرى، وهي تختلف عن تحدِّيات ما قبل قرن، وهذا يفرض معالجات قادرة على مقاربة تحدِّيات المرحلة.
وهذا لا يعني أنْ نلغي التَّاريخ فمِنه نتعلَّم، وتبقى للحاضر همُومه، وإشكالاتُه، وتحدِّياته.
وبقدر ما يملك حَمَلَة الفكر مِن كفاءة في المزاوجة بين الماضي والحاضر، يكون الخطاب ناجحًا وقادرًا على معالجة كلِّ التَّحدِّيات التي فرضت وجودها في واقعنا المعاصر.
ثالثًا: تحدِّيات اللُّغة والأسلوب
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ …﴾.([1])
ما معنى بلسانِ قومه؟
أي باللُّغةِ التي يتكلَّمون.
هذا هو المتبادر في فهم هذا النَّصّ القُرآنيّ، وهو فهمٌ مقبول.
إلَّا أنَّه هناك فهمٌ آخر لهذه الآية القُرآنيَّة، فهي تتحدَّث عن (أسلوب الخطاب)، فأساليب الخطاب متغيِّرة ومتطوِّرة بحسب الزَّمان والمكان، فمسؤوليَّة الخطاب الدِّينيِّ أنْ يُحاكي هذه التَّغيُّرات والتَّطوُّرات.
إذًا مطلوبٌ مِن الخطابِ الدِّينيِّ أنْ يتجدَّد: أنْ يتجدَّد في لُغته، وأنْ يتجدَّد في أسلوبه.
ما معنى التَّجدُّد في اللُّغة؟
هناك ثلاثة اتِّجاهات:
الاتِّجاهُ الأوَّل: اتِّجاه يتمسَّك باللُّغة الموروثة، ويرفض كلَّ جديد.
الاتِّجاهُ الثَّاني: اتِّجاه يرفض كلَّ الموروث مِن اللُّغة، ويلهث وراء كلَّ مصطلح جديد، أي يعيش هوس الحداثة، وهوس المصطلحات الجديدة.
هذان الاتِّجاهان مرفوضان.
الاتِّجاهُ الثَّالث: اتِّجاه يزاوج بين الأصالة والحداثة.
فالموروث اللُّغوي يُشكِّلُ قِيمة كبرى.
ولُغة العصر تُشكِّلُ ضرورة كبرى.
وإلى جانب تحدِّيات اللُّغة هناك تحدِّيات الأسلوب.
والخطابُ الدِّينيّ يعتمد مجموعة أساليب:
(1) الأسلوبُ السَّرديُّ التَّاريخيُّ البحت
بلا بحث أو دراسة، مِمَّا سمح للكثير مِن الموضوعات أنْ تتسرَّب إلى الخطابِ الدِّينيِّ.
(2) الأسلوبُ التَّاريخيُّ التَّحليليُّ
هذا الأسلوب يعتمد القراءة التَّاريخيَّة التَّحليليَّة، خلافًا للأسلوب الأوَّل الذي يعتمد السَّرد التَّاريخيَّ البحت.
وهنا تختلف القراءات، وتتباين الرُّؤى فمِنها خطأ، ومِنها مُشوَّش، ومِنها مُرتبِك، ومِنها تجزيئي، ومِنها شمولي.
(3) الأسلوبُ العلميُّ والمنهجيُّ
لا شكَّ أنَّ معايير القراءة العلميَّة والمنهجيَّة لها ضوابطها وشروطها، فمِن الضَّروريِّ أنْ يحافظ الخطاب الدِّينيُّ على الضَّوابط والشُّروط.
طبعًا لا يطلب في هذه الضَّوابط والشُّروط ما يطلب في روايات الفقه والأحكام، والتي يتشدَّد الفقهاءُ في معاييرِها وضوابطِها.
نعم، مطلوبٌ في روايات التَّاريخ بعضَ معايير؛ لكي لا يُقرأ التَّاريخ قراءةً مُزوَّرةً، أو قراءةً خطأ، أو قراءة ملتبسةً.
فكم عبث العابثون في تشويش التَّاريخ تدوينًا، وفهمًا، وقراءة، وكان للسَّلاطين دورٌ كبير في هذا التَّزوير، وكان للرُّواة المُدلِّسِين، والذين باعُوا ضمائرَهم أسوأ الأثر في اقحام الأكاذيب، والتي أعطت صورةً كاذبةً للكثير مِن مسارات التَّاريخ.
ولذلك مطلوبٌ مِمَّن يتصدَّى لقراءةِ التَّاريخ كُتَّابًا، وخطباءَ، ودارسين، وباحثين أنْ يكونوا على درجةٍ عاليةٍ مِنَ البصيرة حينما يطرحون قضايا التَّاريخ، أو حينما يتحدَّثون عن شخصيَّات التَّاريخ؛ خشية السُّقوط في ألاعيب الأقلامِ المُدلِّسةِ والمُزوِّرةِ.
وإذا أردنا أنْ نقارب الحديثَ عن منابرِنا الحُسينيَّة فهي مِن أهمِّ مواقعِ الخطابِ الدِّينيّ، والتي مارست أدوارًا كبرى في تحصين مسيرة الأجيال، وفي الدِّفاع عن قضايا العقيدة.
مِمَّا يفرض أنْ تتوفَّر هذه المنابر على درجة عالية مِن الوعي والبصيرة؛ لكي لا ينزلق، أو ينحرف الخطاب، فليس كلُّ ما هو مدوَّن في الكتب صحيح.
كما يفرض على هذه المنابر لكي تملك النَّجاح والتَّوفيق، أنْ تملك درجة عالية مِن الإخلاص.
فإذا غاب الإخلاصُ أو انخفض غاب الثَّواب الإلهيُّ، وكم هو كبير وكبير ثواب منبر الحُسين (عليه السَّلام) بكلِّ معطياتِهِ الرَّبَّانيَّة الفائضة، وهذه المعطيات التي تكبر وتعظم بقدر ما يكبر ويعظم الإخلاص.
هنا سؤال كبير يُطرح… هذا السُّؤال يقول:
هل أنَّ تسلُّم الخطيب الحُسينيّ مبالغ عوضًا عن مجالسه المنبريَّة يتنافى مع عنوان الإخلاص؟
أبدًا لا يتنافى مع الإخلاص ما دام الهدف خدمة الإمام الحُسين (عليه السَّلام)، وهذا عملٌ يستحقُّ عليه الأُجرة.
وهذا ما أفتى به الفقهاء العظام.
وللحديث توضيح أكثر أذكره في الكلمة القادمة – إنْ شاء الله تعالى -.
كلمة أخيرة
هكذا تُذْبَحُ الطُّفولةُ بسلاحِ الفَتكِ الصُّهيونيّ، وسلاحِ التَّجويع، وهكذا يُحرم أطفالُ غزَّةَ مِن قَطرة ماء!
أين ضميرُ العالم، أين القِيم؟!
مات الضَّميرُ، وماتت القِيم.
إذا كان الصَّهاينة لا يملكون ضميرًا، ولا يملكون قِيمًا.
وإذا كان العالمُ المتحالف مع الصَّهاينة لا يملك ضميرًا، ولا يملك قِيمًا.
فأين ضميرُ الشُّرفاء والنُّبلاء؟
أينَ ضمير المسلمين دُولًا وشُعُوبًا؟
أين المواقفُ، أين الصَّرخاتُ؟!
عَلَّها تُخفِّف بعضَ آهاتٍ، وبعضَ آلام، علَّها تلامسُ بعضَ جراحات.
قالها رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم) متحدِّثًا عن هذا الواقع البئيس لمسلمي هذا الزَّمان:
«يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ مِن كلِّ أفقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِهَا.
قِيل: يا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): فمِن قِلَّةٍ بنا يَوْمَئِذٍ؟
قالَ: لا، ولَكنَّكُمْ غُثاءٌ كَغُثاءِ السَّيْلِ، يُجعل الوهن في قلوبكم، ويُنزع الرُّعب مِن قلوب عدوِّكم؛ لحبِّكم الدُّنيا، وكراهتكم المَوت».([2])
لا يُراد لأُمَّةِ المسلمين أنْ تكون أُمَّةَ عُنفٍ، أنْ تكون أُمَّةَ إرهاب، أنْ تكون أُمَّةَ تطرُّف.
وإنَّما يُرادُ لها أنْ تكون أُمَّةَ مبادئ، أنْ تكون أُمَّةَ مواقف، أنْ تكونَ أُمَّةَ عِزَّةَ وكرامة.
لا أُمَّةَ أهواء، لا أُمَّةَ ضياع، لا أُمَّةَ ضعف، لا أُمَّةَ انهزام.
هل تبقى صرخاتُ الأطفالِ في غزَّة ضائعة، وصرخاتُ النِّساءِ، وكلُّ الصَّيحاتِ والفجائع والدُّموعِ والآلامِ والآهات؟
لا نملك أنْ نكون الحاضرين في ساحةِ القِتال، وساحةِ الدِّفاع.
ولا نملكُ أنْ نكونَ الدَّاعمين بقطرةِ ماءٍ، وبقطعةِ خبز.
فهل لا نملكُ أنْ نقولَ الكلمةَ؟
فهل لا نملكُ أنْ نصرخ؟
فهل لا نملكُ أنْ نعلنَ الغضب؟
وهذا أقلُّ الواجب.
قضيَّةُ غزة، وقضيَّةُ فلسطين امتحانٌ كبيرٌ لإرادةِ أنظمتِنا، لإرادةِ أُمَّتنا العربيَّة والإسلاميَّةِ، لكلِّ وجودِنا.
فهل تنجح هذه الإرادة؟
أمْ هو الانهزامُ الدَّائم، والغيابُ المخجلُ؟
وأعداءُ أُمَّتِنا يسرحونَ ويمرحون، ويعبثون بكلِّ مقدَّراتِنا، وبكلِّ هُويَّتنا.
هذه المقدَّراتُ التي أصبحت مُنتهَكَة، وهذه الهُويَّة التي أصبحت ضائعة!
وآخرُ دَعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العَالمين.
الهوامش:
[1] سورة إبراهيم: الآية 4.
[2] المُتَّقي الهندي: كنز العمال 11/58، (ك: الفتن والأهواء، ف 2: في الفتن والهرج)، ح 30913.



