حديث الجمعة 661: ما معنى أنْ أكونَ عاشورائيًّا؟ – المَعايير التي تجعلُني عاشورائيًّا – الرِّساليَّةُ العاشورائيَّةُ
مسجد الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) – القفول - حديث الجمعة (661) تاريخ: يوم الخميس (ليلة الجمعة) 21 محرم 1447 ههـ - الموافق: 17 يوليو 2025 م
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّدِ الأنبياءِ والمرسلين مُحمَّدٍ وآلِهِ الهُداةِ الميامين.
السَّلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
عشنا عاشوراء الحُسين (عليه السَّلام) بكلِّ وَهجِهَا، ومآتِمها، ومنابرِها، ومواكِبها، وجماهيرها، وبكلِّ مراسيمها.
وهنا سؤالٌ كبيرٌ يُطرح:
ما معنى أنْ أكونَ عاشورائيًّا؟
هل يكفي أنْ أضع عصابةً مكتوبًا عليها (يا حُسين)؟
هذا أمرٌ جيِّدٌ، ومطلوبٌ جدًّا، ويُجذِّر الارتباط بعاشوراء.
ولكن بشرط أنْ يكون في سياق التَّأسيس العاشورائيّ، وليس مجرَّدَ شكلٍ ومظهر.
للشَّكل والمظهر قِيمة كلّ القِيمة حينما يُعبِّر عن مضمون عاشوراء.
وماذا يعني مضمون عاشوراء؟ يأتي الحديث عن ذلك…
وهل يعني مجرَّد أنْ أتوشَّح السَّواد؟
هذا أيضًا مطلوبٌ، ويحمل دلالة كبرى متى ما كان في سياقِ التَّأسيس العاشورائيّ، وليس مجرَّدَ شكلٍ ومظهر.
وتساؤلٌ ثالثٌ:
هل يعني الإحياءُ العاشورائيّ حضور المآتم، والمشاركة في المواكب والفعَّاليَّات؟
هذا في غاية الأهميَّة، وهو المفصل الأهمّ في موسم عاشوراء.
ويبقى السُّؤالُ الكبير مطروحًا:
إلى هنا هل تمَّ الإحياءُ العاشورائيّ؟
هل يعني الإحياء العاشورائيّ أنْ يكون لنا خدمات ومساهمات عاشورائيَّة في المآتمِ والمواكبِ والفعَّاليَّات؟
هذا مطلوبٌ جدًّا، ويبقى للإحياء معنى أكبر …
المَعايير التي تجعلُني عاشورائيًّا
المِعيَارُ الأوَّل: الإخلاصُ العاشُورائيُّ
مطلوب أنْ نحاسب إخلاصَنا العاشورائيَّ.
ماذا يعني هذا الإخلاص؟
أنْ لا أعملَ للشُّهرة والجاه.
لا ليُقال أنَّي ناشط عاشورائيّ.
لا لعناوين دُنيا.
وإنَّما أعمل تقرُّبًا إلى الله، وطمعًا في ثواب الله، وإحياءً صادقًا لعاشوراء الحُسين (عليه السَّلام)، وامتثالًا لتوجيهات الأئمَّة مِن أهلِ البيت (عليهم صلواتُ الله).
المِعيَارُ الثَّاني: مِنَ المعايير التي تجعلني عاشورائيًّا: العُشقُ العاشورائيّ
الحزنُ العاشورائيّ مطلوبٌ جدًّا.
والدَّمعة العاشورائيَّةُ مطلوبةٌ جدًّا.
هكذا جاءت توصياتُ الأئمَّةِ مِن أهلِ البيتِ (عليهم السَّلام).
فلا يجوزُ تجفيفُ الدَّمعةِ مهما كانت الذَّرائع والمبرِّرات.
وتبقى قِيمةُ الدَّمعةِ بمقدارِ ما تعبِّرُ عن عُشْقِ عاشورائيّ.
وبقدر ما يرتقي هذا العشقُ العاشورائيّ، وبقدر ما يصدق ترتقي قِيمةُ الدَّمعةِ العاشورائيَّة، وترتقي قِيمةُ الحزنِ العاشورائيّ.
المِعيَارُ الثَّالث: مِنَ المعايير التي تجعلُني عاشورائيًّا: الوعي العَاشُورائي
كلَّما ارتقى الوعيُ العاشورائيّ
ارتقى الإخلاصُ العاشورائيّ
وارتقى العشقُ العاشورائيّ
فمطلوبٌ جدًّا هذا التَّزاوج بين الوعي والإخلاصِ والعشقِ.
فقِيمةُ الوعي بمقدار ما يحملُ مِن إخلاصٍ وعشقٍ.
وقِيمةُ الإخلاصِ بمقدار ما يحمل مِن وعي وعشق.
وقِيمةُ العشقِ بمقدار ما يحمل مِن وعي وإخلاص.
هكذا تتزاوج المُكوِّنات العاشورائيَّة، وغياب أيُّ واحدٍ مِن هذه المُكوِّنات يحدث خللًا في التَّعاطي مع عاشوراء.
المِعيَارُ الرَّابع: الالتزامُ العاشُورائيّ
عاشوراء تقوى وورع.
وعاشوراء أخلاقٌ وقِيم.
قِيمة الوعي العاشورائيّ بقدر ما ينتج مِن هذه المضامين (التَّقوى والورع والأخلاق والقِيم).
وهكذا قِيمة الإخلاص.
وقِيمة العشق.
فلا قِيمة لوعي لا يُنتج سُلوكًا عاشورائيًّا.
ولا قِيمة لإخلاص لا ينتج التزامًا عاشورائيًّا.
ولا قِيمة لعُشقٍ لا ينتج تمثُّلًا عاشورائيًّا.
التَّوبة العاشورائيَّةُ الصَّادقةُ هي التي جسَّدها الحرُّ الرَّياحيّ:
هي التَّوبة الصَّادقة التي تغسلُ الذُّنوب.
هي التَّوبة الواعية.
هي التَّوبة المُضَحِّية مِن أجلِ المبادئ.
الانتماء إلى مدرسة عاشوراء يحتاج إلى درجة عالية مِن الالتزام.
هكذا يكون الانتماء إلى مدرسة الأئمَّة مِن أهلِ البيت (عليهم السَّلام).
- في وصيَّة الإمام الباقر (عليه السَّلام) لجابر بن يزيد الجُعفيّ:
«يَا جَابِرُ: أيَكْتَفِي مَنِ انْتَحَلَ التَّشَيُّعَ أَنْ يَقُولَ بِحُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ؟
فَوَالله مَا شِيعَتُنَا إِلَّا مَنِ اتَّقَى الله وأَطَاعَه، …، …، …،
مَا مَعَنَا بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، ولَا عَلَى الله لأَحَدٍ مِنْ حُجَّةٍ.
- مَنْ كَانَ لِلَّه مُطِيعًا فَهُوَ لَنَا وَلِيٌّ.
- ومَنْ كَانَ لِلَّه عَاصِيًا فَهُوَ لَنَا عَدُوٌّ.
- ولَا تُنَالُ وَلَايَتُنَا إِلَّا بالوَرَعِ والعَمَل».[1]
المِعيَارُ الخامس: الرِّساليَّةُ العاشورائيَّةُ
بقي مِعيارٌ خامسٌ مِنَ المعايير التي تجعلنا عاشُورائيِّين، وهو مِن أهمِّ وأصعب المعايير.
هذا المِعيَار هو: (الرِّساليَّةُ العاشورائيَّةُ)
ماذا تعني الرِّساليَّةُ العاشورائيَّةُ؟
تعني:
أوَّلًا: أنْ نوظِّف قُدُراتِنا الفكريَّة في خدمةِ أهدافِ عاشوراء، وأهداف عاشوراء هي أهداف الإسلام.
ليس بالضَّرورة أنْ نكون علماءَ دِين، أو خطباء منبر، أو شعراء، أو رواديد.
نعم هذه مواقع في غاية الأهميَّة.
كلُّ مَنْ ينتمي إلى عاشوراء، في أيِّ موقعٍ يكون، يملك بعض قُدُرات فكريَّة وثقافيَّة، فليحرِّك هذه القُدُرات.
بشرط أنْ يكون هذا التَّحريك واعيًا وبصيرًا، هناك مَنْ يمارسون الخبط والتَّشويش باسم عاشوراء، وهناك مَنْ يُقحمون في الموسم العاشورائي ما ليس منه، هؤلاء يُسِيئُون لمعنى الإحياء العاشورائيّ.
لا نُشكِّك في النَّوايا الصَّادقة والدَّوافع الطَّيِّبة لدى هؤلاء، ولكن مجرَّد صِدق النَّوايا وطِيب الدَّوافع لا يكفي متى غاب الوعي وغابت البصيرة.
إذًا أوَّل دلالات الرِّساليَّة العاشورائيَّة: التَّوظيف الواعي لما نملك مِن قُدُرات فكريَّة وثقافيَّه في خدمة أهداف عاشوراء.
الدَّلالة الثَّانية: أنْ نوظِّف قُدراتنا النَّفسيَّة والوجدانيَّة في خدمة أهداف عاشوراء.
أنْ نحزن كلَّ الحزن.
أنْ نبكي كلَّ البكاء.
بشرط أنْ يوظَّف هذا الشَّحن النَّفسيّ والوجدانيّ والعاطفيّ في خدمة أهداف عاشوراء.
هكذا تتزاوج الاستعداداتُ العاشورائيَّة.
وأنْ لا تبقى فراغات تضرُّ بمسألة الإحياء العاشورائيّ.
الدَّلالة الثَّالثة: مِن دلالاتِ الرِّساليَّة العاشورائيَّة أنْ نوظِّف قُدُراتنا العمليَّة في خدمة أهداف عاشوراء، وهي أهداف الإسلام.
لإنتاج الفكر العاشورائيّ قِيمة كبرى.
ولإنتاج الوجدان العاشورائيّ قِيمة كبرى.
ولإنتاج السُّلوك العاشورائيّ قِيمة كبرى.
وتبقى القِيمة الأكبر هي إنتاج الرِّساليَّة العاشورائيَّة.
والرِّساليَّة العاشورائيَّة ليست مجرَّد عواطف فائرة.
وليست مجرَّد خطابات متحمِّسة.
وليست مجرَّد مقاربات نظريَّة.
وليست مجرَّد عناوين وكلمات.
الرِّساليَّة العاشورائيَّة مواقف رافضةٌ للضَّلال، رافضةٌ للباطل، رافضةٌ للفساد، رافضةٌ للمنكر، رافضةٌ للظُّلم، رافضةٌ للاستِعباد …
وحينما نتحدَّث عن الرَّفض لا نتحدثُ عن فوضى، لا نتحدَّثُ عن انفعالات، لا نتحدَّثُ عن مِزاجات، لا نتحدَّثُ عن شِعارات، لا نتحدَّث عن مجرَّد خطابات …
للشّعارات قِيمتها الكبرى حينما تكون واعية، وحينما تتحرك على الأرض.
وأمَّا إذا كانت مجرَّد كلمات بلا وعي
ومجرَّد كلمات بلا حراك
فهي كلمات فاقدة لمضمونها العاشورائيّ، ولهُويَّتها الحُسينيَّة.
وحينما نتحدثُ عن خطاب عاشوراء نتحدث عن خطاب يقارب كلَّ مساحات الإسلام كما يراها إمامنا الحُسين (عليه السَّلام)، والذي أطلق شعاره الأعظم: «وإنَّما خَرَجتُ لِطَلَبِ الإِصلاحِ».[2]
بما يحمله الإصلاح مِن امتداداتٍ، ودلالاتٍ، وعطاءات.
لا نملك أنْ نكونَ حُسَينًا سبط رسولِ الله (صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم) ولكن نملك أنْ نكون في خطِّ الحُسين، ونملك أنْ نحمل شعار الحسين (عليه السَّلام).
قد يُقال:
إنَّ عاشوراءَ الحُسين حدث في التَّاريخ قد انتهى، فما جدوى استحضاره في هذا العصر؟
فلهذا العصر قضاياه وهمومه، وليكن انشغالنا بهذه القضايا والهموم!
هذا كلام مرفوض…
لو قرأنا القُرآن الكريم لوجدناه استحضارًا كاملًا لقضايا التَّاريخ، بدءًا مِن حياة آدم أبِي البشر، ومرورًا بتاريخ كلِّ الأنبياء والرُّسل، وبتاريخ كلِّ الأُمم.
فحينما نستحضر عاشوراء نستحضر عنوان الإصلاح: «وإنَّما خَرَجتُ لِطَلَبِ الإِصلاحِ».
وهل انتهت الحاجةُ إلى الإصلاح في هذا الزَّمن الذي استضرى فيه الفسادُ والظُّلمُ، وضاعت القِيم، وماتت المُثُل، وانتشر الضَّلال، وماجت الفِتن.
هنا الضَّرورة كلّ الضَّرورة لصرخةِ عاشوراء، لصرخةِ الحُسين، لصرخةِ الإصلاح، لصرخةِ الأمر بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر…
فما دامَ هناك ضلالٌ، وما دامَ هناك ظُلمٌ، وما دامَ هناك فسادٌ، وما دام هناك طُغيانٌ فمطلوب أنْ يكون الحُسينُ (عليه السَّلام) حاضرًا، وأنْ تكون عاشوراء حاضرة …
الحُسين قِيمٌ ومُثلٌ ومبادئ، وعاشوراء سلامٌ وأمنٌ وعطاء …
لا يختلف المسلمون على حبِّ الحُسين (عليه السَّلام).
ولا يختلف حَمَلَةُ المبادئ الخيِّرة على تقديس الحُسين (عليه السَّلام).
ولا يختلف دُعاةُ الإصلاح على ترسُّم نهجِ الحُسين (عليه السَّلام).
ولا يختلف كلَّ المستضعفين في الأرض على استلهام عزّةِ الحُسين (عليه السَّلام).
وهكذا لن تنتهي الحاجةُ إلى عاشوراءِ الحُسين (عليه السَّلام).
وآخرُ دَعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العَالمين.
[1] الصَّدوق: الأمالي، ص 725، (المجلس الحادي والتُّسعون)، ح 991/3.
[2] المجلسي: بحار الأنوار 10/342، (ك: تاريخ الزَّهراء والحسنين (ع)، ب 37: ما جرى عليه بعد بيعة النَّاس ليزيد …)، ح 2.



