حديث الجمعةشهر ربيع الأول

حديث الجمعة 415: الدَّعوةُ والتحدِّيات (الحلقة الثانية) – الإرهاب وأدوات المواجهة

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
الحمدللهِ ربِّ العالمين وأفضلُ الصَّلواتِ على سيِّد الأنبياءِ والمرسلين محمَّدٍ وعلى آلِهِ الهداةِ الميامين وبعد:


الدَّعوةُ والتحدِّيات (الحلقة الثانية):
حينما انطلقتْ دعوةُ النبيِّ الأعظمِ (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم) تصدَّى أعداؤُها لوضعِ العقباتِ في طريقها، وفي محاولاتٍ جادَّةٍ لإجهاضها، إلَّا أنَّ إيمانَ النبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم) وعزيمتَهُ، وثباتَ النفرِّ ممَّن التحقَ بهذه الدَّعوة، كلُّ ذلك أفْشَلَ تلك المحاولات، وأسْقَطَ تلك التحدِّيات…


من أدواتهم في حرب الدَّعوة:


الحربُ النفسيَّة:
الحربُ النفسية تعني: هزَّ الثقةِ، إضعافَ المعنوياتِ، خلقَ الشعورِ بضعف الفكرة، وهِزال الانتماء..
المشركون مارسُوا هذه الحرب ضدَّ النبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم) وضدَّ دعوتِهِ:
1- قالوا عنه: كاهنٌ، ساحرٌ، مجنونٌ، شاعرٌ، كذَّاب…
• ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ (الطور: 29)
• ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الحاقة: 42)
• ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (ص: 4)
• ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ (الصافات: 36)
• ﴿بَلْ قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ (الأنبياء: 5)


كانَ النبيُّ (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم) يدعو النَّاسَ إلى دينِ الله، فيخرج أبو لهب في أثَرهِ فيقول: إنَّه ابنُ أخي، وهو كذَّاب ساحر…
وتُحدِّثُ كتبُ السِّيرةِ: أنَّ الوليدَ بن المغيرة أتى قُريشًا فقال: إنَّ النَّاسَ يجتمعون غدًا بالموسم وقد فشا أمر هذا الرجل [يقصد النبيَّ (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم)] في النَّاسِ وهم يسألونكم عنه فما تقولون؟
فقال أبو جهل: أقولُ إنَّه مجنونٌ.
وقال أبو لهب: أقولُ إنَّه شاعرٌ.
وقال عقبةُ بنُ أبي مَعِيط: أقولُ إنَّه كاهنٌ.
فقال الوليدُ: بل أقول إنَّهُ ساحرٌ يفرق بين الرجلِ وأخيهِ وأبيهِ.
فأنزل الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (ن: 1-2).


2- كما اتهموا الرسول (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم) كذلك اتهموا الرسالة:
قالوا عنها: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾.
وقالوا عنها: ﴿إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾.


• ﴿إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾(الأنعام: 25).
– أساطير الأولين: يعني قصص خرافية تتحدَّث عن الأمم السَّابقة.


• ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾(الأحقاف: 11).
– إفك قديم أي من الأكاذيب القديمة.
هكذا كانوا يتهمون الرسالة والدعوة والقرآن.


3- ولم يكتفوا باتهام الرسولِ (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم) واتهامِ الرِّسالةِ في سياقِ الحرب النفسية، بل مارسوا (السُّخرية والاستهزاء).
• ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ (البقرة: 214).
نزلت هذه الآية في أبي جهل وغيره من رؤساء قريش، وكانوا يسخرون من الَّذين آمنوا بدعوة النبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم).
• ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون﴾ (يس: 30).
• ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (الحجر: 95).


هذه هي أساليبهم في حربهم النفسية، وقد تحدَّى الرسول (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم) بكلِّ إيمانٍ وبصيرةٍ وصلابة هذه الحربَ النفسية، وحصَّن أتباعَهُ في مواجهتها وإفشالها.


وماذا عن الحرب النفسية في هذا العصر؟
هذا ما يأتي الحديث عنه في كلمةٍ قادمةٍ إنْ شاء الله تعالى.


في ذكرى ميلاد الإمام الصَّادق (عليه السَّلام):
تزامن ميلاد الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) مع ميلاد جدِّه النبيِّ الأعظم محمَّد (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم)…


في السَّابع عشر من ربيع الأول (على القول الأشهر) في عام الفيل ولد النبيُّ الأكرم محمَّد (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم) في مكة المكرمة.
وفي السَّابع عشر من ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين للهجرة [هناك اختلاف] ولد الإمام الصَّادق (عليه السلام) في المدينة المنورة.


وبهذه المناسبة الكريمة نحاول أنْ نقاربَ بعض لقطات من دور الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) في حماية مسار الرسالة، وفي تحصين الأمَّة ضدَّكلِّالانزلاقات والانحرافات العقيدية والفكرية والروحية والأخلاقية والتشريعية والسِّياسية، كون الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السَّلام) هم(الأمناء على الإسلام والقرآن والأمّة) كما أكَّدت ذلك الأحاديث الصحيحة الصَّادرة عن رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم).


اللقطة الأولى:
الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) يتصدَّى لتيار الإلحاد والزندقة معتمدًا (منهج الحوار العلمي)، فما كان يتعقَّد من أيِّ إشكال وإنْ لامسَ (أساسَ الاعتقاد)، وطال (مرتكز الإيمان)…


يدخل أحد الزنادقة وهو أبو شاكر الدِّيصاني على الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) فيقول: يا جعفر بن محمد دُلَّني على معبودي…
لميكن هذا السؤال صادمًا للإمام الصَّادق، وما كان محرجًا له، ولا مُربكًا.
استمع إلى السؤال بكلِّانفتاح ومرونة، وقابل السائل المعروف بتشكيكاته العقيدية، وإثاراتِه التي تحاول أنْ تطال(قضية الخالق)، نعم قابل السَّائل والسؤال بكلِّ حبٍّ وأريحية، وبكلِّ هدوء…
وبدأ إجابته بكفاءة واقتدار وثقة واطمئنان…
قال الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) مخاطبًا الدِّيصاني: اجلس وإذا غلامٌ صغير في كفِّهِ بيضةٌ يلعبُ بها.
فقال له الإمام الصَّادق (ع): ناولني يا غلام البيضة.
فناوله إيَّاها…


وهنا توجَّه الإمام الصَّادق إلى الدِّيصاني، وبدأ يعالج إشكالَهُ العقيدي بأسلوبٍ بعيدٍ عن أي تعقيد فلسفي، وبعيدٍ عن أيِّ هرطقةٍ كلامية…
اعتمد (منهج القرآن) الذي يخاطب العقل والوجدان والفطرة…


يقول القرآن: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصِّلت: 53).


ويقول القرآن: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ…﴾ (لقمان: 1).


هكذا بدأ الإمام الصَّادق حديثه مع الدِّيصاني وفي يده تلك البيضة:
«يا ديصاني هذا حصنٌ مكنون [مستور ومصون ومحفوظ] له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ [شديد وقوي] جلدٌ رقيق، تحت الجلدِ الرقيقِ ذهبةٌ مائعةٌ، وفضةٌ ذائبةٌ، فلا الذهبةُ المائعة تختلطُ بالفضةِ الذائبةِ، ولا الفضةُ الذائبةُ تختلطُ بالذهبةِ المائعةِ، فهي على حالِها، لا يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن إصلاحها ولا يدخلُ إليها داخلٌ مُفْسِدٌ فيخبرُ عن إفسادِها(1)، لا يدرى للذكر خُلِقتْ أو للأنثى(2)، تنقلق عن مثل الطواويس، أترى لها مدبِّرًا؟».


فأطرق الدِّيصاني مليًّا ثمَّ قال:
أشهدُ أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وأنَّكَ إمامٌ وحجةٌ من الله على خلقِهِ، وأنا تائب ممَّا كنت فيه…


[(1)في القشرة مسامات مغطاة بطبقة هيولية رقيقة تحول دون نفوذ الهواء والجراثيم إلى داخل البيضة، وزوال هذه الطبقة يستدعي فساد البيضة.
(2) لا يمكن معرفة قدرة البيضة على الإخصاب من عدمها إلَّا عند بدء عملية التفريخ.]


للحديث حول دور الإمام الصَّادق (عليه السَّلام) في حماية مسار الرسالة تتمةٌ إنْ شاء الله تعالى.

الإرهاب وأدوات المواجهة:
يستمر الحديثُ في معالجة هذا العنوان، وهنا تتناولُ الكلمة (مسؤوليات أنظمة الحكم ِ والسِّياسة في تجفيفِ منابعِ الإرهابِ، وإغلاقِ حواضنِ التطرُّف)


• المسؤولية الأولى:
مطلوبٌ من أنظمة الحكم والسِّياسة في بلدان العرب والمسلمين أنْ (تُنقِّي المناهج الدِّراسية) من كلِّ المفرداتِ التي تغذِّي الطائفية، وتكرِّس الكراهية، وتؤجِّج الصِّراعات المذهبية، فما جدوى أن تلاحق الأنظمة الحاكمة بأدواتها الأمنيةِ والعسكريةِ جماعاتِ التطرُّفِ والعنفِ والإرهابِ، وفي الوقت ذاتِهِ تُنَشِّطُ هذه الأنظمةُ صناعةَ التطرفِ، وإنتاجَ العنفِ، وتفريخَ الإرهابِ من خلال منهاهجها الدراسية، ومن خلال مواقع أخرى…


• المسؤولية الثانية:
مطلوبٌ من أنظمةِ الحكمِ والسِّياسيةِ في بلدان العرب والمسلمين أنْ( تُنقِّي إعلامَها الرسمي) ضدَّ أيّ منزلقٍ طائفي، وضدَّ أيّ شكلٍ من أشكالِ( التحريض على الكراهية.
فما دام هنا تلفازٌ يمارسُ إنتاجَ الطائفية، ويُحرِّض على الكراهية…
وما دام هناك إذاعاتٌ تمارسُ إنتاجَ الطائفية، وتحرِّض على الكراهية…
وما دام هناك صحافةٌ تمارس ذلك…
وما دام هناكَ منابرُ دولةٍ هذا هو دورها…
فلن تتوقف صناعةُ الإرهاب والإرهابيين، ولنْ يتوقف إنتاجُ التطرُّفِ والمتطرِّفين…


• المسؤولية الثالثة:
مطلوبٌ من أنظمةِ الحكمِ والسِّياسةِ في بلدانِ العرب والمسلمين أنْ (تتخلَّصَ من كلِّ أشكالِ التمييز بين الطوائفِ والمذاهب والمكوِّنات).
لأنَّ سياسةَ التمييز لها تأثيراتُها الخطيرة في خلق (المناخات) التي تنشِّطُ الصِّراعاتِ والانقساماتِ والعداواتِ، ممَّا يهيِّئ (البيئاتِ) الملائمةِ لنشوءِ التطرُّفِ والعنفِ والإرهاب.


وكلّما عاشتْ الشعوبُ في ظلِّ أنظمةٍ حاكمةٍلا تعترف بالتمييز بكلِّ أشكالِهِ، ولا تمارسُهُ في كلِّ مؤسَّساتِها وأجهزتِها ومواقِعها، كانت هذه الشعوبُ مُحصَّنةً بدرجةٍ كبيرةٍ جدًّا ضدَّ (الصراعاتِ الطائفيةِ والمذهبيةِ والعرقية) الأمر الذي يحميها من السقوط في منزلقاتِ العنفِ والتطرفِ والإرهاب.
المطلوب إذًا أنْ لا تمارسَ أنظمةُ الحكم (سياسات التأزيم بين المكوِّنات) من خلال توظيف تلك (الاختلافاتِ) الطبيعية في إنتاجِ (التبايناتِ المتصارعةِ) و(الانقساماتِ المتحاربةِ) و(المعتركاتِ الطائفيةِ والمذهبيةِ والعرقيةِ) ممَّا يهيِّئ الأجواءَ الملائمة لصُنَّاع التطرُّفِ والعنفِ والإرهاب أنْ يحرِّكوا مشروعاتِهم المدمِّرة.


وتبقى مسؤولية رابعة من مسؤوليات الأنظمة وهي في غاية الخطورة يأتي الحديث عنها –إنْ شاء الله- في لقاء قادم، وكذلك بقية المسؤوليات.


وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربِّ العالمين.


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى