قضايا الساحةقضايا محلية

خطاب لسماحة العلامة السيد الغريفي حول الوضع الأمني المتأزم بعنوان: كلمة لله والوطن

كلمة لله والوطن


بسم الله الرحمن الرحيم
 
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلوات على سيد الأنبياء والمرسلين محمدٍ وعلى آله الهداة الميامين وصحبه المنتجبين وبعد:
 
فهذه بعض كلماتٍ صادقةٍ أقولها لله وللوطن، لا أبحث من خلالها عن مزايداتٍ أو مساوماتٍ أو إرضاءاتٍ، حسبي رضا الله تعالى، وأن أرى وطني آمنًا، مستقرًا، متحابًا، متآلفًا خاليًا من كلّ الأزماتِ، والاحتقانات، والمنغّصاتِ، والصراعاتِ، والعداوات …
 
لا أريدها أمنياتٍ جانحاتٍ في الخيالِ، فالعقل، والحكمة، والبصيرة، والحبُّ، والثقة، والصدق، والإخلاص، والإرادة مكوّناتٌ قادرةٌ أن تواجه أصعب المآزق والمخاطر.
 
الكلمة الأولى:


يجب أن يعاد النظر في كلّ رهانات العنف الأمني والسّياسي والطائفي، والتي تقود البلد إلى أخطر المنزلقات والنتائج، ربّما يصفق البعض لهذا الرهانِ أو ذاك، بوهم الإخلاص وحبّ الوطن، وليس الأمرُ إلاّ تفخيخًا لكل الأوضاع، وإسقاطًا لكلّ الخياراتِ، ودفعًا في اتجاه التأزيم، ربّما تصاغ الحسابات الأمنية والسياسية بطريقة مأسورة لكثير من الوهم والانفعال، وفي ذلك المزيد من التعقيد الأمني والسياسي، آما آن الأوان إلى مراجعاتً جريئة تحاسب كلّ الرهانات المتشنجة والتي لن تكون أبدًا خيارات إنقاذ وبناء وإصلاح.
 
الكلمة الثانية:


أخاطبُ كلّ الغيارى المخلصين في هذا الوطن أن يعملوا جادين من أجل إنتاج المحبّة، والثقة، والوحدة، والتعاون، بين جميع مكوّنات هذا الشعب، ومما يؤسف له أنّ هناك مزايداتٍ في توظيف الكلمات، وربّما أخذ هذا التوظيف منحنىً مُسيَّسًا أو منحنىً مصبوغًا بالشك والريبة والاتهام، إنّ الشحن الأمني والسياسي والطائفي أمر في غاية الخطورة، وله آثاره المدمرة، وإذا كنّا نرفض كلّ أشكال الشحن في أيّ اتجاه، فإن الأسوأ والأخطر أن تتحرك خطابات شحنٍ تطال شعبًا أو بعض مكوّنات شعب، وهذا لا يعني أنّنا نمارس شحنًا مضادًا، فكلّ أشكال الشحن المنفعلة مرفوضة، ما دامت تنتج أوضاعًا مأزومة أمنيًا وسياسيًا وطائفيًا.
 
إنّ مسئولية كلّ المخلصين أن يمارسوا حراسة هذا الوطن إلاّ أنّ الخطابات المبرمجة أمنيًا وسياسيًا لن تقود إلاّ إلى الخراب والدمار، وأسوأ الآثار، فما أحوج المرحلة إلى خطاباتٍ تتجاوز الثأر و الإنتقام والشحن و الاتهام، وإيقاظ العداوات، وتأجيج الأحقاد ..
 
الكلمة الثالثة:


إنّ حبنا لهذا الوطن ولأمنه واستقراره ورخائه وازدهاره يفرض علينا جميعًا أن نتعاون من أجل حماية هذا البلد الطيب من كلّ الأزمات والصراعات والعداوات، وهنا أود أن أقول: إنّ مشروع الإصلاح السّياسي الذي باركه كلّ الشعب يمّر بمآزق صعبة، مما أنتج الكثير من الإرباكات والأزمات والتداعيات، ولن نكون مخلصين لهذا المشروع إذا لم نعترف بهذه الحقيقة، وبقينا نعيش استرخاء في أحضان الأحلام، يجب إنقاذ المشروع من أجل هذا الوطن ولا أعتقد أنّ إنسانًا على هذه الأرض يُضمر شرًا لهذا الوطن ولهذا المشروع …
 
لذا فإنّ الخيار الأمني القاسي ليس هو الحل، وليس هو المخرج، ما دامت هناك خيارات أخرى قادرة.. إنّ المعالجات الأمنية القاسية المتشدّدة لن تنتج إلاّ مزيدًا من التأزم والتوتر والحقد والكراهية والانفعال والتشنج..
 
لا أظنُ أنّ الخيارات الأخرى قد استنفذت، حتى نضطر إلى أن ندفع بالبلاد إلى واقع مشحونٍ بالمخاطر و المكاره، والمحن والشدائد والويلات …
 
 
الكلمة الرابعة:


إنّ الحوار هو الخيار الأصوب والقادر على إنتاج الثقة والتي أصابها الكثير من الاهتزاز في ظل واقعٍ يحتاج إلى الكثير من المعالجة والصبر والحكمة والمحبة، وليس إلى مزيد من العنف والشدّة والغضب والكراهية والانتقام.


الحوار هو الخيار القادر على الدفع في إتجاه المصارحة والمكاشفة، والانفتاح، والشفافية، والتسامح والتقارب …


الحوار هو الخيار القادر على حلحلة الأوضاع والأزمات ومعالجة كلّ الملفات التي باتت تشكّل مصدر قلق بدءًا من ملف البطالة، وانتهاءًا بملف التجنيس، مع تأكيد الحاجة إلى إعادة النظر في العملية السّياسية شكلاً و مضمونًا..
 
إنّ عاهل البلاد بيده أن يتخذ قرارًا جريئًا في الدعوة إلى حوارٍ جادٍّ وهادفٍ وصادقٍ وصريح، وسوف يجد قلوبًا مملوءة بالحب، والشفافية، والسماح و الإنفتاح، وقد أكّد أبناء هذا الشعب في أصعب المنعطفات أنهم أوفياء لهذا الوطن واستقلاله وأمنه واستقراره ووحدته وتآلفه ..
 
الكلمة الخامسة:


إنّنا نتوجه إلى الأحبّة أبناء هذا الوطن أن يحافظوا على قداسة هذا الشهر الفضيل، وأجوائه الربانية المباركة، والابتعاد عن كلّ أسباب التوتّر والتأزم، لا يعني هذا أن تتجمّد المواقف المطالبة بالحقوق، إلاّ أنّنا نصرّ على اعتماد الأساليب السلمية والحفاظ على الضوابط الشرعية وعدم الإضرار بمصالح الناس والمجتمع مهما كانت المبررات، وإن جنحت الأساليب الأمنية إلى القسوة والشدّة، وهي أساليب نرفضها جملةً وتفصيلاً – ليس بدافع التحريض وإنّما في ذلك اعتداء على أمن الناس – وهنا نطالب النظام أن يُثمن هذا الخيار السلمي، وإلاّ كان الوضع مرشحًا إلى خيارات صعبة، لا تقود البلاد إلاّ إلى مزيد من التأزم والتوتر، و الاحتقان والتعقيد والاضطراب، و إلى مزيد من النكسات والإخفاقات والمتاهات والمنزلقات ….
 
كنّا ونحن نستقبل هذا الشهر الفضيل نترقب أجواءً رمضانيةً مملوءةً بالأمن والأمان، والحبّ والوئام، والتسامح والانفتاح، وما حسبناها أجواءً مأزومةً قلقةً تنتظرُ هذا الوطن، معكرةً صفاء الشهر المبارك، وروحانيته، وفيوضاته، وخيراته، وبركاته ….
 
لا زال الأمل قائمًا أن تتوجّه عناية الله وألطافه ورحماته إلى هذا البلد، فينعم أبناؤه بلذة الأنس مع ليالي وأيام هذا الشهر الفضيل، بعيدًا عن كلّ المنغّصات الأمنية، والمكدّرات السّياسية، وأن يكون الصائمون في المساجد و في مواطن الذكر والقرآن لا في السجون والمعتقلات والزنزانات.
 
الكلمة السادسة:


إنّ شعبًا يعيش الكثير من أبنائه الضنك، والفقر، والمرض، والجوع، والتعب، والعناء، وأقسى الأزمات، في حاجة إلى قلب كبير يحتضن آلامه، وهمومه، وعناءاته، وعذاباته، وأزماته، و ارهاقاته، وليس إلى سياطٍ وملاحقات، وسجونٍ، ومعتقلاتٍ، ربّما صرخ هؤلاء من الجوع، والفقر، و الاختناق، والقلق، والآلام … ربّما إختنقت في داخلهم الكلمات، هنا تأتي مسئولية الحاكم الراعي ليتسع قلبه، وليمتلأ بالحب والرحمة والتسامح.
 
هناك خطابات تمارس إنتاج الكراهية والغضب، و الإنتقام، إنّها خطابات تستنفر في داخل الحاكم الكثير من التحريض، والعداوة، والقسوة .. ما نتمناه – وبالضراعة إلى الله سبحانه – أن تنطلق الخطابات الراشدة الساعية من أجل بناء أواصر المحبة والرحمة والإحساس بآلام المحرومين، والرافضة لكلّ أشكال الشحن المتبادل، وتأزيم المشاعر والعواطف وتأجيج العداوات والخلافات والصراعات، وإسقاط كلّ الخيارات الرشيدة، والرهانات العاقلة …
 
في الوقت الذي نصرّ على المطالبة بالحقوق، وتصحيح الأوضاع، وإنقاذ المشروع السّياسي، والدفاع عن قضايا هذا الشعب، دونما مساومة أو استرضاء أو خضوع أو استسلام، مؤكدين ضرورة أن يُعاد صوغ العملية السّياسية، بما يحقق أهداف المشروع، وإلاّ فسوف يبقى الوضع مأسورًا للتداعيات والانتكاسات وإنتاج الأزمات، فإذا كنا حريصين على مستقبل زاهر وخيّر لهذا البلد، فمراجعة الحسابات في صوغ المشروع السّياسي مسألة تشكل ضرورة إنقاذ وبناء وإصلاح وتغيير..
 
وبكل ّ الحبّ نمدّ اليد لكلّ المساعي المخلصة في إتجاه حراسة هذا البلد والدفاع عن كرامته وأمنه وتقدّمه وتصحيح أوضاعه ..
 
الكلمة السابعة:


أتمنّى أن لا يصيبنا اليأس في ظل حراجة الأوضاع، فلا زال الأمل يحدونا إلى مبادرة جريئة في إطلاق سراح السجناء والمعتقلين، من أجل أن تُمسَحَ ما في عيون الأطفال والآباء والأمهات من دموع ثقيلة، وما في قلوبهم من آلام ضاغطة، ومن أجل أن يُؤسّس لمرحلة جديدة، ولحوارات جادّة وهادفة وصادقة، سوف يكون لها نتائج طيّبة – بإذن الله تعالى – في إنقاذ البلد من أوضاعه المأزومة، وإنزلاقاته الخطيرة ..


ربّما يقال : لقد تكرّرت هذه المبادرات دون جدوى، فلا خيار إلاّ الحزم والشدّة والصرامة، ما دام هذا الخيار هو الأصلح لحماية الأمن والإستقرار والحفاظ على منجزات الإصلاح والتغيير والبناء ..


من حق حرّاس هذا الوطن أن يعيشوا القلق إلاّ أن المشكلة حينما تتجمّد المبادرات عند منعطفات الأزمة، وعند الأبواب المغلقة للمأزق …


أما آن الأوان لانطلاقة جديدة توظّف المبادرات في منتجات خير وبركة لهذا الوطن، ولهذا الشعب، وليس ذلك بعسير، ما دامت النوايا صادقة، وما دام الهدف الكبير في الحفاظ على مصالح هذا الوطن هو هدفٌ لا حياد عنه …
 
الكلمة الأخيرة:


إنّني مطمئنٌ كلّ الاطمئنان – اعتمادًا على لطف الله وعنايته – أنّ إعادة إنتاج الثقة بين الحاكم والمحكوم هو المنطلق لمعالجة كلّ الأزمات، وإصلاح كلّ الأوضاع، وترميم كلّ التصدعات، وكلّما تآكلت هذه الثقة كان لذلك نتائجه الخطيرة والمدمّرة، لا نشك أنّ لتأزم الثقة أسبابًا موضوعية في حاجة إلى وقفاتً جادّة، مبادراتٍ جريئة، ومعالجات حكيمة، وما لم يبدأ مشوار التأسيس إنتاج هذه الثقة سوف تتعثر كلّ الخطوات، وترتبك كلّ المبادرات، وتهتز كلّ الخيارات، وسوف يبقى المأزق يحاصر كلّ الواقع ..
 
و آخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين
 
 السيد عبد الله الغريفي
10 رمضان 1431هـ
الموافق 21/8/2010م








اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى