الأرشيفحديث الجمعةشهر جمادى الأولى

حديث الجمعة 66: برامج العُطْلة الصَّيْفيَّة: الرُّؤية والموقف

حديث الجمعة 66 | 5 جمادى الأولى 1425 هـ | 24 يونيو 2004 م | المكان: مسجد الإمام الصَّادق (ع) | القفول - البحرين

 

نتابع الحديث عن الصيف والعطلة والبرامج. .. إن هذا الموضوع يشكل هما كبيرا لدى المؤسسات الرسمية والمؤسسات المدنية والمؤسسات الدينية… ويشكل هما كبيرا لدى علماء الدين والتربويين والسياسيين، ورجال الثقافة والاقتصاد والإعلام والسياحة والفن والرياضة…

في موضوع الصيف والعطلة والبرامج قد يتلاقى الديني والثقافي والسياسي والسياحي والفني، وقد تتنافر هذه العناوين، فالمسألة في التلاقي والتنافر خاضعة لطبيعة الرؤى والتصورات والتطبيقات والممارسات.
فالدين له رؤيته وتطبيقاته في بناء الإنسان والواقع والحياة، وله أهدافه وغاياته ومنطلقاته فيقبل من الثقافة والسياسة والسياحة والفن والاقتصاد والإعلام ما يتلاءم مع تلك الرؤية والتطبيقات ومع تلك الأهداف والمنطلقات، ويرفض ما يتصادم معها…

والذي يحدد رؤية الدين ومكوناته في التعاطي والرفض هم أصحاب التخصص في الفقه والشريعة ومجالات الفكر الديني، وليس كل من يحاول أن يدس نفسه في عداد المنظرين للدين والفقه والشريعة لمجرد أنه امتلك بعض الثقافة وشيئا من فكر هذا العصر، وامتلك قدرة أن يكتب في الصحافة… فما أكثر المنظرين للدين من المتطفلين والفارغين في هذا الزمان وهم لا شأن لهم بفقه الدين وتخصصات الشريعة وثقافة الإسلام والقرآن.
نعود إلى مسألة الدين والثقافة والسياسة والفن والسياحة… فقد حاول البعض أن يصور الدين بأنه عدو لكل ما هو ثقافي أو سياسي أو اقتصادي أو إعلامي أو سياحي أو فني أو رياضي أو أي شيء يتحرك في الواقع المعاصر… إنها الدعاية المناهضة للدين والدينيين.
إن الدين عدو لكل ثقافة تقود الإنسان والواقع والحياة في خط الغواية والتيه والضلال والفساد والانحراف.

* “الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا” “الكهف: 104”.
* “ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا” “الأحزاب: 33”.
فثقافة الضلال والغواية والانحراف والفساد ثقافة يرفضها الدين ويحاربها مهما حاولت أن تتبرقع بعناوين التحضر والتقدم والعصرنة…
ثم ان الدين عدو للسياسة المارقة التي تنشر في الأرض الظلم والجور والقهر والاستعباد ومصادرة الحريات والكرامات والتحكم في كل المقدرات.
* “وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد” “البقرة: 105”.

والدين عدو للفن الهابط الرخيص الذي يعبث بالقيم والأخلاق، وينشر الفسوق والرذيلة والفجور، ويبعد الإنسان عن أصالته وهويته ونظافته، ويستثير في داخله غرائز الشيطان ونزوات الهوى.

والدين عدو للسياحة الفاسقة التي تعتمد الأسلوب الحرام، واللذة الحرام، والربح الحرام، والوقت الحرام… وكم تستثير هذه اللغة دعاة السياحة الفاسقة، وتجار السياحة الفاسقة، وصناع السياحة الفاسقة، فتتعالى الضجة المخبولة تبكي السياحة، وتبكي الاقتصاد، وتبكي الفن، وتبكي الحريات، وتبكي وتبكي… وكأن الحضارة والتقدم والازدهار هي من نتاج سياحة العهر والدعارة واللهو والعبث.

إننا أبناء القرآن الذي حدد لنا الرؤية والموقف… وأصل في وعينا وفي وجداننا معيار “الحلال والحرام”.
* “قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون” “الأعراف: 33”.

هذه بعض محرمات يضعها هذا النص القرآني لتشكل وعيا إسلاميا متحركا ينفتح على كل الأزمان والأعصار من أجل بناء الإنسان النظيف والواقع النظيف والمجتمع النظيف.

العناوين التي تناولها النص:
1- الفواحش وهي المنكرات الفاحشة كالزنى والدعارة والعهر واللواط.
أ – ما ظهر منها: ما تمارس بشكل علني وظاهر ومكشوف… ولعل من أبرز أمثلتها في هذا الزمان:
– الدعارة الرسمية “الدعارة بقانون” وهي موجودة في الكثير من دولنا العربية والإسلامية.
– الدعارة المنظمة التي تحميها الدولة عمليا وإن لم تكن بقانون… وهذه الدعارة يرعاها كبار المسئولين وذوو النفوذ… وتمارس في الفنادق والملاهي وفي أماكن مخصصة.
– بيوت الدعارة المنتشرة والمعروفة لدى عامة الناس… والتي تتظاهر الأنظمة الرسمية بأنها تحاربها في بعض الأحيان… وخصوصا إذا أصبحت تشكل لها إحراجا شعبيا.
ب- ما بطن منها: ما يمارس في الخفاء من دعارة وعهر وزنى ولواط.
2- الإثم: كل المعاصي التي توجب الإثم أو خصوص الخمر والمسكرات أو الممارسات التي تؤدي إلى الفساد الأخلاقي والانحطاط الروحي في المجتمع وضياع القيم والمثل والطهر والنظافة.
هذا جميعه يندرج تحت عنوان الإثم وفق المنظور القرآني وليس وفق منظور أصحاب الأهواء الضالة والانتماءات المنحرفة.
“3” البغي: وهو تعبير عن كل ألوان الظلم والجور والاعتداء على الحقوق، ومصادرة الحريات، وانتهاك الحرمات، وتجاوز حدود الله وأحكامه وتشريعاته… وهذا البغي غالبا ما تمارسه الأنظمة الفاسدة وقد تمارسه مؤسسات وقوى وافراد من خارج أنظمة الحكم… وهو في كل أشكاله وألوانه محرم في شرع الله تعالى، ويجب التصدي له ومواجهته وإنكاره…
“4” الشرك بالله: وهو من محرمات العقيدة وفي هذا السياق تقع كل الافكار والمبادئ والنظريات والايديولوجيات التي تتناقض مع عقيدة التوحيد… وتتناقض مع خط الايمان بالله وبالدين والقرآن…
“5” القول على الله بغير علم:
إنه من المحرمات المؤكدة التصدى لاصدار الاحكام ونسبتها إلى الله تعالى إذا كان هذا المتصدي لا يملك علما يؤهله لذلك، كما يحاول بعض مثقفي هذا العصر ممن لم يتوافروا على الكفاءة الفقهية والتخصصية أن يضعوا أنفسهم منظرين في الفكر الديني… وفي ضوء هذا النص القرآني تتحدد بعض الضوابط والمكونات الأساسية في بناء واقعنا الروحي والأخلاقي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي… هذا الواقع الذي يجب أن يعتمد:
1- الأساس العقيدي.
2- الأساس الروحي والأخلاقي.
3- الأساس الاجتماعي الخاضع للضوابط الشرعية.
4- الأساس السياسي القائم على العدل وفق المنظور الإلهي.
5- الأساس الفكري والثقافي الذي يعتمد الرؤية الاسلامية الأصيلة.
وانطلاقا من هذا التأسيس القرآني، وفي ظل متغيرات المرحلة وضروراتها في بلدنا البحرين نجد أن من حقنا أن نؤكد:

أولا:

إننا نريد لمشروع الاصلاح أن يعبر عن هوية هذا البلد الاسلامية، وعن أصالته الدينية، وألا يخضع لتوجهات أو ضغوط تحركه في اتجاه يتناقض مع تلك الهوية والأصالة، ومن هنا كان الرفض لمشروعات الاصلاح الموجه من الخارج وخصوصا ما تحاول أن تفرضه الإدارة الأميركية تحت عنوان مشروع الشرق الأوسط الكبير…

ثانيا:

إننا نريد لمشروع الاصلاح أن يصون الواقع الأخلاقي في هذا البلد… وهذا يفرض على المشروع:
– تطهير البلد من كل بؤر الفساد الأخلاقي “بيوت الدعارة أماكن الفسق والمجون ومحلات الخمور”.
– مراقبة الفنادق والصالات.
– عدم السماح لمشروعات التدمير الاخلاقي.
– محاربة السياحة الفاسقة.
– حماية الآداب والأعراف الاسلامية بطريقة جادة وحقيقية.

ثالثا:

إننا نريد لمشروع الاصلاح أن يحافظ على الهوية الثقافية لهذا البلد والتي تنتمي إلى الإسلام، فحماية هذه الثقافة مسئولية مهمة من مسئوليات مشروع الاصلاح إذا أريد لهذا المشروع أن ينهض بواقع هذا الشعب، وأن يحصن انتماءه وتاريخه، وإن أي مساهمة في الترويج للثقافات المناهضة للدين ستضع المشروع أمام خيار صعب وأمام رفض صريح.

رابعا:

إننا نريد لمشروع الاصلاح أن يؤكد عمليا اقترابه من طموحات الشعب، بما يخدم مصالحه وأهدافه وقضاياه المصيرية…
– فالبطالة مازالت تشكل هما كبيرا.
– والتجنيس مازال مصدر قلق وخوف.
– وضرورات السكن ضاغطة.
– والفساد الاداري والمالي مازال مستشريا.
– والتمييز مازالت تطبيقاته قائمة.
– ومحاولات الهيمنة على المساحات الدينية “المساجد ائمة المساجد / الأوقاف / الأحوال الشخصية” مازالت تتحرك الأمر الذي يشكل تحديا له نتائجه الخطيرة.
– المسألة الدستورية وهي أساس المأزق السياسي، وان بدت بعض اجوائها تتجه نحو الهدوء، الا أن البعض مازال قلقا فنأمل أن تنتج لقاءات الحوار والتفاهم ما ينقذ المشروع السياسي من مأزقه الصعب.
– ملفات كثيرة مازالت جامدة ومعطلة، نأمل أن تتحرك.
وهكذا نؤكد أن للدين رؤيته وموقفه من الثقافة، والسياسة، والاقتصاد، والفن، والسياحة، ومن كل البرامج والمشروعات… أن نقبل هذا البرنامج أو نرفضه مسألة خاضعة لمعايير الدين والعقل والفطرة، وليس لأي معايير أخرى…
هناك من المعايير ما لا ترى في برامج العهر والفسق والدعارة انحرافا…
وهناك من المعايير ما لا ترى في برامج اللهو والخلاعة انحرافا… وهناك من المعايير ما لا ترى في برامج الفن الهابط الرخيص انحرافا.
وهناك من المعايير ما لا ترى في برامج الاختلاط المنفلت من الضوابط الشرعية انحرافا.
وهناك من المعايير ما لا ترى في العبث بالقيم والأخلاق انحرافا… وهناك من المعايير ما لا ترى في كل البرامج الخارجة على أحكام الشريعة انحرافا.
فهل يصح أن نخضع في تقويم الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي وفي تقويم المشروعات والبرامج إلى معايير مرفوضة شرعا وعقلا وذوقا… إننا نملك معاييرنا الربانية والتي من خلالها نحدد رؤيتنا وتصورنا وموقفنا من أي شأن ثقافي أو سياسي أو اجتماعي ومن أي مشروع أو برنامج يتحرك في الساحة…
وتأسيسا على هذا الفهم وانطلاقا من هذه الرؤية نحاول أن نرصد حركة البرامج الصيفية التي تزدحم بها الساحة… فمن هذه البرامج ما يعتبر منحرفا وفق المعايير التي نعتمدها في التقويم… وموقفنا من هذه البرامج:
أولا: أن نرفض هذه البرامج المنحرفة وأن نواجهها حتى لا تفسد أجواءنا، وتهدد قيمنا وأخلاقنا…
جاء في الحديث:
“كيف بكم إذا فسق شبابكم وفسدت نساؤكم وتركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
قالوا: أو يكون ذلك يا رسول الله؟
قال صلى الله عليه وآله: نعم وشر من ذلك كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف.
قالوا: أو يكون ذلك يا رسول الله؟
قال صلى الله عليه وآله: نعم وشر من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفا، والمعروف منكرا”.
ثانيا: أن نحصن أجيالنا ضد تأثيرات البرامج المنحرفة. إن هذه البرامج الفاسدة تستهدف – ضمن أولوياتها – هذه الأجيال الناشئة، وتخطط بذكاء ماكر لسرقة هذه الشريحة من أبنائنا وبناتنا، وبأساليب مغرية جدا، وتحت شعارات خادعة… وما أكثر ما استغفل الآباء والأمهات فسلموا فلذات أكبادهم إلى أحضان هذه البرامج الموبوءة ظنا منهم أنها أحضان نظيفة وما دروا أنهم دفعوا بأبنائهم وبناتهم إلى محرقة العقيدة والدين والأخلاق… وبالتالي إلى محرقة النار في الآخرة “يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون” “التحريم: 6”.
فالله عز وجل يخاطبكم – أيها المؤمنون – بأن تقوا أنفسكم وأن تقوا أهليكم من النار… فهل فكرتم وأنتم تدفعون بأبنائكم وبناتكم إلى هذا البرنامج أو ذاك، في الصيف أو في غير الصيف، في داخل البلد أو في خارجه إلى أين توجهون فلذات أكبادكم، وبأي أيد تضعونهم؟
وفي هذا السياق أجد من الضرورة التحذير من خطر المدارس الخاصة التي تشرف عليها إدارات أجنبية غير مسلمة، هذه المدارس لها تأثيراتها على العقيدة والدين والأخلاق… ومن الواضح أن هذا النمط من المدارس يجتذب في الغالب أبناء وبنات الأسر الميسورة طمعا في المستويات الدراسية المتميزة، وربما كان هذا على حساب العقيدة والدين والأخلاق، وخصوصا إذا كانت الأسر لا تملك رقابة جادة على الأولاد والبنات وأكدت لنا معلومات موثوق بها أن نسبة من الملتحقين بهذه المدارس الأجنبية قد تأثرت عقيدتهم، وتأثرت أخلاقهم… لماذا لا يفكر أصحاب المال من المؤمنين في إنشاء مدارس خاصة نموذجية، لتكون البديل الصالح لتلك المدارس الأجنبية ولتملأ الفراغات التي حاولت أن تملأها مؤسسات مشبوهة وخطرة على أبنائنا وبناتنا… وهكذا تتمكن المدارس النموذجية المأمونة، من التصدي لحالات التسرب إلى المدارس الفاسدة. إن مسئولية المعنيين بشئون هذا الجيل هي حمايته من الوقوع في أسر المشروعات والبرامج الفاسدة والمنحرفة… إنها مسئولية أولياء الأمور من الآباء والأمهات ومسئولية المؤسسات الدينية، والمؤسسات الثقافية والاجتماعية النظيفة، ومسئولية العلماء والخطباء والدعاة والمبلغين، ومسئولية كل الغيارى الذين يهمهم أمر الدين والقيم والأخلاق، ويهمهم شأن هذا الجيل.
وإذا كنا نقف موقفا رافضا من البرامج الفاسدة التي تهدد أجيالنا وشبابنا، فإننا في الوقت ذاته نبارك أي برنامج جاد هادف نظيف يسعى إلى ترسيخ قيم الدين وبناء الأجيال وفق المبادئ الصحيحة والأسس السليمة التي تحمي أصالة هذه الأمة، وتصون هويتها، وتؤكد إنتماءها وتمنحها الحضور الفاعل في حركة الواقع المعاصر لتكون الأمة المتميزة والمؤهلة لإنقاذ العالم وخلاص البشرية في ظل القيادة الربانية المنتظرة بإذن الله تعالى… والحديث له تتمة، وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى